الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

الأئمة، بل يرى بعضهم قطعية صدورها، وبعضهم برّر ذلك بكون أكثر أحاديثها متواترة كما قال الشريف المرتضى (ت 436 هـ): "ليس كل ما رواه أصحابنا من الأخبار وأودعوه في كتبهم - وإن كان مستندا إلى رواة معدودين من الأحاد- معدودا في الحكم من أخبار الآحاد، بل أكثر هذه الأخبار متواتر موجب للعلم"، فجاز الاحتجاج بها في العقائد وغيرها، وزعم التواتر هذا كلام جزافي خالٍ من أي قاعدة أو استقراء. ومعتمد أدلة القائلين بحجية الآحاد في العقائد وغيرها هو قوله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [سورة التوبة:122]، ونحو هذه الآية مما ثبت من إرسال النبي الرسل إلى الملوك والبلدان لتبليغهم رسالة الإسلام وعقيدة التوحيد، ووجه استدلالهم: أن إرسال هؤلاء المبعوثين أحاداً يقتضي قبول أخبارهم، وهذا يشمل العلميات والعمليات، قال ابن حزم تعليقا على الآية: "فأوجب الله تعالى على كل فرقة قبول نذارة النافر منها بأمره النافر بالتفقه وبالنذارة؛ ومن أمره الله تعالى بالتفقه في الدين وإنذار قومه فقد انطوى في هذا الأمر إيجاب قبول نذارته على من أمره بإنذارهم، والطائفة في لغة العرب التي بها خُوطبنا يقع على الواحد فصاعدا، فنلحظ أن استدلاله لم يكن بدلالة المطابقة أي بدلالة اللفظ على تمام معناه، وإنما بدلالة الانطواء واللزوم؛ أي دلالة اللفظ على لازم معناه.

ويُعقَّب على هذا الاستدلال بأمور، هي:

إن الآية تناولت أمر التبليغ والإنذار وليس أمر القبول والتلقي عن المنذر، قال أبو حامد الغزالي عن الاستدلال بهذه الآية في المسألة: "وهذا فيه نظر؛ لأنه إن كان قاطعا فهو في وجوب الإنذار، لا في وجوب العمل على المنذر عند اتحاد المنذر أي كونه واحدا، كما يجب على الشاهد الواحد إقامة الشهادة لا ليعمل بها وحدها، لكن إذا انضم غيرها إليها، وهذا الاعتراض هو الذي يُضعف أيضا التمسك بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى [سورة البقرة: 159] وبقوله: «نصر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها» الحديث وأمثالهما"؛ فرأى أن هاته الأدلة ونحوها لا تصلح أن تكون دليلا صريحا في المسألة. التبليغ والقبول لكل منهما أحكامه؛ فكما هو واجب على حامل العلم تبليغه؛ فإنه واجب على المتلقي التثبت والتبيّن، دون تعارض بين الأمرين.

1

2

3

4

ينظر:: حب الله حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، مرجع سابق، ص 225.

الشريف المرتضى، رسائل الشريف المرتضى، مرجع سابق، 26/ 1.

ابن

حزم،

، الإحكام في أصول الأحكام، مرجع سابق، 109/ 1.

4 أخرجه بلفظ قريب: الترمذي، الجامع الصحيح، الذبائح، أبواب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، ح:2649.

قال: حسن صحيح. الغزالي، المستصفى، مرجع سابق، ص 121.

5

321