الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٤١تبليغ هؤلاء الدعاة إلى أقوامهم المعارف الإيمانية من خلال آي القرآن لا إشكال فيه؛ لثبوتها ونقلها بالتواتر، وليس بين أيدينا ما يدلّ على تبليغهم شيئا منها بمجرد أحاديث الآحاد.
إن هؤلاء المبعوثين إلى البلدان لا تقوم الحجّة على أقوامهم بمجرد تبليغهم؛ وإنما بما يحملونه ويثيرونه من أدلة وبراهين قطعية؛ وقد سمى الله تعالى كل آية من القرآن بالآية؛ لأنها كل واحدة منها علامة دالة على الله وعلى شرعه ودينه، فالعبرة بنوعية الآيات المنقولة أيضا إلى جانب عدد النقلة؛ ومنه فخبر الواحد إذا وافق الأدلة القطعية قرآنية أو كونية أو عقلية أو (فطرية فلا مفرّ من، قبوله كما بينا مع الحديث الموافق، أما إذا خلا من المؤيدات القطعية، وكان مستقلاً في معناه لا شاهد له، فهنا محل المناقشة.
إن التكذيب المجازي عنه لا يكون بالآية الواحدة ولا بالدليل الواحد، وإنما بعديد الآيات والنذر؛ فإذا كذب القوم بالآية تلو الآية وأصروا على ذلك سموا عندئذٍ مكذبين واستحقوا العقاب، كما قال تعالى: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ} [سورة الأنعام: 65]، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا [سورة الأنعام: 25]، ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس: 101]، ولو كان الدليل الواحد كافيا لإقامة الحجة لما صرف الله في كتابه وكونه الآيات والنذر.
من رحمة الله تعالى أنه يُمهل غير المؤمنين ولا يأخذهم بالعذاب بمجرد تكذيب المرسَل الواحد أو الآية الواحدة، بل يصرفها ويعدّدها، حتى تقوم الحجّة بنحو قاطع للعذر، كما قال تعالى عن أصحاب القرية: وَاضْرِبْ لَهُمْ ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [سورة يس: 13 - 14]، فإما أن يصرف الآيات أو يعدّد الرسل، وكل هذا من واسع فضله ورحمته، وليقيم الحجة ويقطع عُذر المكذبين، كما قال تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة النساء:165].
ثانيا: أنه لا تثبتُ به عقيدة إلا على سبيل الظن.
وهو مذهب الجمهور من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والإباضية والزيدية والإمامية، وبه صرّح جماعة من المحدثين وهذه طائفة من نصوصهم:
من الأشاعرة؛
قال الباقلاني (ت 403 هـ): والنقل عنهم ضربان تواتر يوجب العلم ويقطع العذر، وآحاد لا يوجب العلم بضرورة ولا دليل"، فميز بين المتواتر الموجب للعلم (الاعتقاد)، وبين الآحاد الذي لا يوجب ذلك.
322
محمد الباقلاني، التقريب والإرشاد الصغير، مرجع سابق، 55/ 3.
1