الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦وقال في أحد أحاديث مناقب الصحابة: "وأما القطع لهم بدخول الجنة فمن باب علم الغيب، ولا يتوصل
إلى ذلك من جهة أخبار الآحاد؛ لأنها إنما تفيد العلم الظاهر، ووقوع التصديق به إنما يكون بغالب حسن الظن وقد استأثر الله بالمغيب، ولا سبيل إلى مطالعته إلا بكتاب ناطق أو خبر عن الرسول من طريق التواتر لا يرتاب بصحته، فبيّن أن القطع بالغيبيات لا يكفي أخبار الآحاد، وإنما يتحتّم فيه الدليل القاطع من صريح الكتاب أو المتواتر من السنة. وقال تلميذه البيهقي (ت 458 هـ): "ترك أهل النظر من أصحابنا الاحتجاج بخبر الآحاد في صفات الله تعالى، إذا لم يكن لما انفرد منها أصل في الكتاب أو الإجماع، واشتغلوا بتأويله، فذكر أن أهل النظر من أصحابه تركوا الاستدلال بالأحاديث الآحاد في مسألة الصفات في حال استقلالها عن الكتاب أو الإجماع، ولجأوا إلى تأويلها، وذكر في سياقه أن ذلك خلط
سبب
هو
بعض الرواة بين كلام النبي وكلام أهل الكتاب. وقال الخطيب البغدادي (ت 463 هـ): "خبر الواحد لا يقبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها، والعلة في ذلك أنه إذا لم يُعلم أن الخبر قول للرسول الله و كان أبعد من العلم بمضمونه، فأما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأن النبي قررها، وأخبر عن الله وخل بها فإن خبر الواحد فيها مقبول والعمل به واجب، فقوله صريح في التفريق بين مسائل الإيمان ومسائل الأحكام، وعدم الأخذ بخبر الواحد في مسائل الدين التي يُطلب فيها اليقين والقطع.
311
وقال ابن عبد البر (ت 463 هـ): "اختلف أصحابنا -يعني المالكية وغيرهم في خبر الواحد العدل، هل
يوجب
يوجب العلم والعمل جميعا، أو يوجب العمل دون العلم؟ قال والذي عليه أكثر أهل الحذق منهم أنه العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا بما شهد به الله، وقطع به العذر لمجيئه مجيئا لا اختلاف فيه، قال: والذي نقول به: إنه يوجب العمل دون العلم"، فذهب إلى أن خبر الواحد العدل يفيد العمل دون العلم، أي دون الاعتقاد، ونسب هذا القول إلى الشافعي وجمهور أهل الفقه
والنظر.
411
وقال السفاريني الحنبلي (ت 1188 هـ) عن العقائد الدينية: "واعتُبر في أدلتها اليقين؛ لأنه لا عبرة بالظن في الاعتقاديات، بل في العمليات"، فميّز بين مجال الاعتقاد الذي يتطلب في أدلته اليقين، ومجال الفقه الذي يكتفى
1
الخطابي، أعلام الحديث، مرجع سابق، 1656/ 3.
2 أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي، الأسماء والصفات، تح: عبد الله الحاشدي، ط 1، مكتبة السوادي، جدة، 1993 م، 200/ 2.
3
4
5
الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، سابق، ص 432. مرجع
عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، مرجع سابق، 7/ 1.
ابن
محمد بن
أحمد السفاريني، لوامع الأنوار البهية، ط 2، مؤسسة الخافقين، دمشق، 1982
م،
70/ 15/1
327