الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٥١

إلى مرتبة اليقين ولما كانت مسائل العقيدة لا يُقبل فيها سوى القطعيات؛ لم يصح الاحتجاج بأخبار الآحاد في إثباتها أو التدليل عليها، فطبيعة الاعتقاد تتنافى مع ظنّية أخبار الآحاد؛ ولذلك لا يعتد بها في

مسائل الإيمان إلا على سبيل الظن والاحتمال.

ويعتمد العلماء في هذا المذهب على دليل وجداني يكاد يكون بدهيا، وهو أنه من المشقة في التكليف أن نؤمر باليقين والإيمان الجازم بخبرٍ يجوز على ناقله الوهم والخطأ، ولا يُقطع بصدقه غيباً، حيث نجد تفاوتا ضروريا في قبول الأخبار، فالوجدان السليم يحكم بوجوب التفريق بين مراتب الخبر في الثبوت والقبول، قال الرازي: "إن الرواة الذين سمعوا هذه الأخبار من الرسول ما كتبوها عن لفظ الرسول، بل سمعوا شيئاً في مجلس، ثم أنهم رووا تلك الأشياء بعد عشرين سنة أو أكثر، ومن سمع شيئاً في مجلس مرة واحدة، ثم رواه بعد العشرين والثلاثين، لا يمكنه رواية تلك الألفاظ بأعيانها، وهذا كالمعلوم بالضرورة، وإذا كان الأمر كذلك، كان القطع حاصلاً بأن شيئاً من هذه الألفاظ: ليس من ألفاظ الرسول، بل ليس ذلك إلا من ألفاظ الراوي، وكيف يقطع بأن هذا الراوي سمع ما جرى في ذلك المجلس؟ فإنّ من سمع كلاماً في مجلس واحد ثم إنه ما كتبه وما كُرّر عليه كل يوم، بل ذكره بعد عشرين سنة أو ثلاثين؛ فالظاهر أنه ينسى منه شيئاً كثيراً، أو يتشوّش عليه نظم الكلام وترتيبه وتركيبه، ومع هذا الاحتمال؛ فكيف يمكن التمسك به في معرفة ذات الله تعالى وصفاته؟ "، فالحديث الآحاد ظني؛ لأنه لم يكتب بين يدي النبي، بل كُتب في مرحلة لاحقة، مما يؤثر في بنية الحديث وتماسكه.

ثم أورد نتيجته التي انتهى إليها فقال: "واعلم أن هذا الباب كثير الكلام، إلا أن القدر الذي أوردناه كافٍ

21

في بيان أنه لا يجوز التمسك في أصول الدين بأخبار الآحاد والله أعلم، فبيّن أن هذه الأخبار لا يطمئن القلب

إلى سلامتها على سبيل اليقين فلا يُعوّل عليها في أصول الدين.

فالدليل الذي لم يرق إلى اليقين لا يخلو من ريبة وإن كانت يسيرة، فلا يصح بناء الإيمان عليه؛ لأن الإيمان

الجازم يتنافى مع التردّد والارتياب، فإذا بُني على ما يحتمل الخطأ مهما قل الاحتمال لم يعد إيمانا أصلا، فبين الأمرين تعارض؛ كما قال الله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [سورة الحجرات: 15]، فإذا تطرّق الظن والاحتمال إلى مسألة انتفى عنها الإيمان، وحل محله الظن والرجحان.

ومما يؤيد هذا قوله تعالى في شأن دعوى مقتل المسيح: مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يقينا [سورة النساء: 157]؛ وقوله: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [سورة

332

الدين الرازي أساس التقديس مرجع سابق، ص 218 - 219.

فخر

م ن، ص 219.

1

2