الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٥٢

د"1،

يونس: 37] قال القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير الآية: "وفي الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد" فخصص مجال العقائد من غيره؛ وذلك لأن الآية في سياق معاتبة المشركين على اتباع الظن في قضايا الاعتقاد. ويُلحظ أن الظنّ الذي اتبعوه في شأن مقتل المسيح هو ظنّ راجح لا مجرّد الوهم والكذب؛ وذلك لما شُبّه لهم من أمر مقتل المسيح، ولما احتفت به القرائن من اجتماع الأعداء عليه، واضطهاد دعوته، واختفاء المسيح يوم وقوع الحادثة، ومشابهة الرجل المصلوب خَلْقيا للمسيح الل، ونقل الواقعة المشهودة بين الأجيال، كل هذه الأمارات القوية الدالة على ثبوت أمر مقتله لم تشفع لهم ولم تعذرهم في اعتقادهم؛ حيث عاب القرآن الكريم اتباعهم للظن، وإن كان راجحا؛ ففي هذا دليل جلي على عدم جواز الاعتماد على الظن في الاعتقاد، وإن كان ظنا راجحا محتفًا بالقرائن

والحكم بالصحة على الحديث تعتريه النسبية والاحتمال، قال محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ): "بعض أحاديث الآحاد تكون حجّة عند من ثبتت عنده واطمأنّ قلبه بها، ولا تكون حجّةً على غيره يلزم العمل بها؛ ولذلك لم يكن الصحابة الا الله يكتبون جميع ما سمعوه من الأحاديث ويدعون إليها مع دعوتهم إلى إتباع القرآن والعمل به وبالسنة العملية المتبعة له، إلا قليلا من بيان السنة كصحيفة علي - كرم الله وجهه المشتملة على بعض الأحكام، كالدية وفكاك الأسير وتحريم المدينة كمكة، ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحملا الناس على العمل بكتبه حتى الموطأ، وإنما يجب العمل بأحاديث الآحاد على من وثق بها رواية ودلالة"، فأرجع سبب إحجام الصحابة ومن بعدهم عن كتابة الحديث وروايته وتركيزهم على القرآن إلى مدى وثوقهم في الرواية، وعدم رغبتهم في إلزام الناس بشيء ظنّي قد تشوبه شائبة بما يعتري عملية النقل. وقال البوطي (ت 2013 م): "ولكن" الصحيحَ نفسه يرقى في درجات متفاوتة، تبدأ من الظنّ القوي إلى الإدراك اليقيني، فإذا كانت السلسلة التي توفّرت فيها مقوّمات الصحة مكوّنة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم؛ فهو لا يعدو أن يكون خبراً ظنياً في حكم العقل .... فأما الظني من الخبر الصحيح فلا يعتد به الحكم الإسلامي في بناء العقيدة؛ لأنه إنما يفيد الظن، ولقد نهى القرآن - في مجال البحث في العقيدة – عن اتباع الظنّ، كما قد رأيت، ولكن يُعتد به في نطاق الأحكام العملية"، فبيّن أن الحديث الصحيح الظني لا يعتمد عليه في مسائل الإيمان؛ لنهي الله تعالى عن اتباع الظنّ في هذا المجال. ولذا يرى الباحث أن عدم الأخذ بالآحاد المستقل في مسائل الإيمان والاعتقاد أسلم وأحوط؛ لما يتطلبه إيمان المؤمن من حراسة وحذر من أن تشوبه شائبة؛ فهذا أحرى وأصوب؛ خصوصا لمن لم يختبر متن الحديث من

1

2

3

أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، 343/ 8.

محمد

بن

محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 116/ 1.

محمد سعيد رمضان البوطي، كبرى اليقينيات الكونية، ط 8، دار الفكر المعاصر، بيروت، 1997 م، ص 35 - 36.

333