الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣حيث مدى موافقته أو مخالفته للقرآن الكريم، وأسلم من أن يقع في التقوّل على الله بغير علم، ولسنا نعني بهذا القول رد المئات أو الآلاف من الأحاديث الصحيحة بحجة أنها آحاد لا تثبت بها العقيدة، وإنما نعني به لزوم التوقف عن القبول والرد ما لم يتبيّن موافقتها لكلّيات القرآن الكريم فتقبل، أو مخالفتها فترد؛ وذلك بالاستقراء الشامل للآيات والأحاديث، كل مسألة على حده، كما بيناه في منهجية عرض الحديث على القرآن الكريم. ولعل هذا المعنى كان حاضرا لدى فقهاء الصحابة الأوائل، بما فصلنا سابقا من منهجهم في قلة التحديث مخافة الاشتغال عن القرآن الكريم، وكذا ما نجده لدى مصنّفي المصادر الحديثية الأولى المدوّنة في القرنين الأول والثاني الهجريين، كمسند زيد (ت 122 هـ) ومسند الربيع (ت 175 هـ) وموطأ مالك (ت 179 هـ)؛ فأغلبها مصنفات فقهية؛ تقتصر في جلّها على أحاديث العمل، ونادراً ما نعثر فيها على حديث عقدي؛ فيبدو أن
غنية
تدوين
عن غيره،
أحاديث
الحديث في أول الأمر كان مقتصرا على المجال الفقهي العملي، أما قضايا الإيمان ففي القرآن الكريم وهذا خلاف ما طرأ لاحقا في مصنّفات القرن الثالث وما بعده لدى مختلف المدارس حيث شاع تدوين العقائد، ومن هنا نرى ضرورة البحث بعمق عن ظاهرة التحديث في العقائد لدى مختلف المدارس الإسلامية، دوافعها وأسبابها وعلاقتها بنشأة المذاهب وتبلور الآراء العقدية.
وقد توصل الكبيسي (معاصر) في دراسته إلى بعض الحكم الإلهية من تثبيت مسائل الإيمان في القرآن الكريم، حيث قال: "الذي يبدو أن الله لم يمنح السنة مهمة تأصيل العقيدة وبيان ما يحتاجه الناس منها، إن هذه مهمة القرآن الذي تكفّل الله، بحفظه، وكأنّ الله تعالى أراد أولا أن تقترن مباحث العقيدة بأسلوب القرآن المعجز؛ لتكون أكثر إقناعا وقبولا، ثم أراد الله أن يحفظ كل جوانب العقيدة بما يحفظ به قرآنه؛ لكي لا تضيع الثوابت التي يلتقى عليها المسلمون فلو أن الله ترك المهمة هذه للسنة؛ فإن الجدل سيطول حول صحة بعض الأحاديث وضعفها، وشروط الآخذ بها، ونحو هذا؛ ولهذا فيصح أن نجزم بأن القرآن ما ترك أصلا من أصول العقيدة ومسائلها المهمة إلا وبينه والبحوث القادمة ستبيّن هذا بالإحصاء والأرقام "، فأثبت أن أصول الإيمان قد تكفّل الله تعالى بحفظها في كتابه الكريم؛ لأنها تمثل الثوابت التي ينبغى أن يلتف حولها المسلمون، ولم يدعها معرّضة للضياع في روايات قد يُختلف في صحتها أو ضعفها.
1 في بحث متخصص مستقل.
2
محمد عياش الكبيسي دكتور في الفقه الإسلامي، معاصر من العراق، حاضر في عدد من الجامعات، كجامعة صنعاء وجامعة الزرقاء الأهلية وجامعة بغداد وجامعة قطر، ساهم في تأسيس هيئة علماء المسلمين عام 2003 م في بغداد؛ https://ar.wikipedia.org
2018/07/27
3
محمد عياش الكبيسي، العقيدة الإسلامية بين القرآن الكريم ومناهج المتكلمين، ط 1، دار الحسام، بغداد، 1995 م، ص 33؛ وينظر الأرقام الإحصائية في تتمة الكتاب.
334