الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٥٥

ومن الإشكالات المطروحة أنه: ثبت عند الجميع بالأدلة العمل بأحاديث الآحاد، فلا وجه لتخصيص هذه الأدلة بالأحكام دون العقائد وحاصله: إلزام القائلين بوجوب العمل بخبر الواحد وبأنه حجة، بأنه لو كان حجّة في العمليات لكان حجّة أيضا في الاعتقاديات.

جميع

قال القرافي (ت 684 هـ) في الجواب عن هذا الإشكال: قوله: لو اكتفى بالظنّ في الفروع لاكتفى به في الأصول، قلنا الفرق أن الظانّ في الفروع على تقدير خطئه، فهو ينسب إلى الله -تعالى- ما هو جائز عليه، فإن الأحكام الشرعية ونقائضها، وأضدادها جائزة على الله -تعالى- ولوجود الظنّ في أصول الديانات، فعلى تقدير خطئه يكون الظانّ نسب إلى الله -تعالى- ما هو كفر، وما هو مستحيل عليه-سبحانه وتعالى- فلذلك لم نجز الظنّ في العقائد، بل ولا التقليد أيضًا لهذا السرّ، وهذا فرق عظيم بين البابين سمعته من الشيخ عز الدين بن عبد السلام"، فبيّن أنّ الفرق شاسع بين العمليات والإيمانيات في الأخذ بالظن، ويتمثل في أن الخطأ في الأولى جائز في حق الله تعالى، بينما في الثاني غير جائز في حقه؛ ولذا لم يجز فيه الظن، وذكر أن سنده في ذلك شيخه العز بن عبد السلام (660 هـ).

وفضلا عن ذلك؛ فإن القطع في كل مسألة فرعية متعدّر، فكان من الضروري أن يُعمل فيها بالظن حتى لا تتعطل أحكام الشرع في الوقائع المتجدّدة على الدوام، بخلاف المعارف الإيمانية؛ فما كان العبد بحاجة ماسة إليه فيها فقد تكفّل التنزيل الحكيم ببيانه بتفصيل.

ومن أسباب تسرب الأفكار الدخيلة إلى العقيدة الإسلامية؛ رفع المظنون إلى درجة المقطوع، كما قال ابن الوزير اليماني (840 هـ): "من الزيادة في الدين أن يُرفع المظنون في العقليات أو الشرعيات إلى مرتبة المعلوم، وهذا حرام بالإجماع .... لأنه لا حاجة ولا ضرورة إلى البدعة في الاعتقاد، وأما الفروع العملية فلما وقعت الضرورة إلى الخوض فيها بالظنون لم يكن فيها حرج بالنص والإجماع، فنبه إلى أن رفع المظنون إلى درجة القطع يعدّ من الزيادة في الدين، ومن البدعة في الاعتقاد، أما اللجوء إلى الظنّ في مجال الفروع العملية فلا حرج فيه؛ إذا اقتضته الضرورة، كأن لا يوجد دليل غيره في المسألة.

وأوضح عبد الرحمن بن حبنكة الميداني (ت 2004 م) مسالك اليقين أو مصادر المعرفة العقدية لدى الإنسان، وهي: مسلك الإدراك الحسي مسلك الاستنتاج العقلي، مسلك الخبر الصادق، وذكر أن المسلك الأخير يتمثل في المتواتر من الكتاب والسنة، ثم قال: "ولكن أكثر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم منقولة إلينا بطريق الآحاد، فإن كانت صحيحة أفادتنا غلبة الظن في صدق نقلها، ومن ثمّ أفادتنا غلبة الظن في العلم بمضمونها القطعي، وقد نعتقد بمضمونها اعتقاداً دون مرتبة اعتقادنا بما جاءنا عن الرسول بالتواتر؛ إلا أن بعض أحاديث الآحاد التي

شهاب الدين القرافي، نفائس الأصول في شرح المحصول، ط 1، مكتبة نزار مصطفى الباز، دب، 1995 م، 2942/ 7. المرتضى ابن الوزير، إيثار الحق على الخلق، ط 2، دار الكتب العلمية، بيروت، 1987 م، ص 100 - 107.

محمد بن

336

1

2