الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٥٧وقال سليمان الندوي (ت 1373 هـ): "أجمع المسلمون أيضًا على أن العقائد لا تثبت إلا بالقرآن؛ لأن
مبنى العقائد على اليقين، واليقين لا يحصل إلا بالوحي المتواتر وهو القرآن أو الحديث المتواتر؛ ولكن الحديث المتواتر حسب تعريف الأصوليين وشروطهم غير موجود، فرجع الأمر في العقائد إلى القرآن وحده"، فبما أن الإيمان يبنى على القطعي المتواتر حصراً، وهو نادر أو عديم الوجود في الحديث، فإن بناء الإيمان من القرآن الكريم هو الأساس.
وقال محمد الغزالي: "والإيمان بالغيب من قسم العقائد، وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى: {وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [سورة النجم: 28] كنا غير مكلفين أن نؤمن بمضمون هذه الأحاديث في عقائدنا"3، فاستدل بالآية على عدم الأخذ بالأحاديث الظنّية في مسائل الإيمان؛ لأن سياق الآية ونحوها في ذمّ اتباع الظنّ في
مجال المعارف الإيمانية.
ويرى الباحث أن استقاء الإيمان من منبعه النقي وهو محكم القرآن الكريم هو الأسلم، ومن شأنه أن يُغلق الباب أمام الدخيل الجلي أو الخفي، فيسلم إيمان المرء وتخلص عقيدته من الشوائب والمقحمات، ومما يدعم هذه النتيجة قوله تعالى في القرآن: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة العنكبوت:50 - 51]، فالآية بينت أن القرآن الكريم كاف كمصدر للإيمان، وقوله: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} [سورة الجاثية: 6]، فالآية أنكرت أن يكون هناك شيء يؤمن به بعد تكذيب الله تعالى وآياته البينات.
وقد جاء في عتاب المكذبين في اليوم الآخر التأنيبُ على تكذيبهم بالآيات دون غيرها، كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [سورة المؤمنون: 105]، حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة النمل: 84]، ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الجاثية: 28] ونحو ذلك في آيات كثيرة، فجاء العتاب على تكذيب الآيات حصرا، واختص الكتاب بدعوة الأمة إليه؛ مما يدلّ على أنه هو موضع الحجة في أصول الدين ومهماته.
ومن ثم فالحديث المستقل عن القرآن في مجال المعارف الإيمانية حكمه: التوقف، حتى تظهر الموافقة أو المخالفة؛ إذ لا دليل على قبوله أو ردّه؛ وذلك لأن قبوله على سبيل القطع أو رده تقول بغير دليل قاطع.
دعوى الإجماع غير مسلّم بها؛ لثبوت الاختلاف في المسألة.
سليمان الندوي الهندي لتحقيق معنى السنة وبيان الحاجة إليها،، مرجع سابق، 673/ 30.
محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، مرجع سابق، ص 120.
338
1
2
3