الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٥٨وبما أن الإيمان بناء له قواعد وأركان فينبغي أن يكون هذا البناء محكما، ومتينا، حتى يؤسس عليه بنيان
شاهق من الفكر السليم والعمل الصالح والسلوك القويم، وحتى يستمر ويطول بقاؤه ويثبت أمام العواصف والمغريات، أما إذا كان هشا ورخواً فسرعان ما يتصدّع ويهتز وينهار، كما قال تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي
الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة التوبة: 109]. ثانيا: تعزيز الخلاف المذهبي.
لدى كل مدرسة من المدارس العقدية الإسلامية أحاديث صحاح خاصة بها، والقرآن العظيم هو الميثاق الوحيد المشترك الذي يجمع المسلمين جميعا، فكلما تمسكوا في إيمانهم بالقرآن الكريم توحدوا وتآلفوا، وكلما جنحوا إلى مروياتهم الخاصة وتمسكوا بها مستقلة عن القرآن اختلفوا وتفرّق عقدهم، ومُزّقوا كل ممزق.
أن يتبعوا
وقد نوه الله تعالى أن اتباع الظنّ في موطن يُطلب فيه اليقين وهو مجال الإيمان- مُورت للتفرق والاختلاف، حيث قال في شأن المسيح: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ [سورة النساء: 157]، وعلق القرضاوي على الآية قائلا: "وما كان الله تعالى ليذمّ المشركين وأهل الكتاب على اتباعهم الظن في موضع يُطلب فيه اليقين، ثم يسمح للمسلمين وحدهم الظن المذموم في المجال 'نفسه فاتباع الظن كما هو ممنوع على أهل الكتاب والمشركين في المعارف الإيمانية، فهو ممنوع أيضا على المسلمين؛ فالله تعالى لم يقص هذا الأمر في كتابه إلا ليحذر المسلمين من الوقوع في الخطأ ذاته الذي وقع فيه أهل الكتاب، حيث حذر قائلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران:105].
1
6
وحتى لو اعتبرت المدارس أحاديثها الصحاح مشهورة أو متواترة أو متلقاة بالقبول؛ فهذا لا يحسم الخلاف؛ لأن هذه الأوصاف نسبية، ولا يُعترف بها إلا في نطاق المدرسة الواحدة، ولم يتفق عليها بين مدارس الأمة، وهذا دون انتقاص من شأن الجهود المبذولة في الصناعة الحديثية فهي مشكورة ومثمنة، لكنها غير مقدسة. وبالرغم مما سبق بسطه من قول جمهور الأمة بعدم التعويل على أخبار الآحاد في العقائد نظريا؛ إلا إنه في الواقع العملي نجد مختلف المدارس الإسلامية قد استدلت بها في مصنفاتها العقدية، وبنت عليها آراءها المذهبية، وأنكرت على مخالفيها في عدم الأخذ بها، وهو ما ذكره ابنُ عبد البر (ت 463 هـ) مستنكرا (حسب السياق): "وكلهم يرون خبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعا وحكما وديناً في معتقده "2؛ ولنا أن نتساءل: هل يصح ذلك عقلا وشرعا؟!، وكيف تجعل الرواية المنقولة عن الفرد المعرّض للخطأ والنسيان
يوسف القرضاوي، المرجعية العليا في الإسلام، مرجع سابق، ص 117. ابن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، مرجع سابق، 8/ 1.
339
2
1