الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٦

الإسلام!، والأولى ذلك من هو أن تهتم كل مدرسة بتركيز النظر في تراثها وتنقيته قبل نقد تراث غيرها، وأن تخلع حجاب القدسية عن الروايات التاريخية التي تقدح في وثاقة النص القرآني وتنقدها وتمتصها، وليس من اللائق بقداسة القرآن الكريم في شيء أن يترامى المسلمون التهم فيما بينهم بتحريفه؛ فإنه إساءة إلى القرآن الكريم نفسه قبل أن يكون إساءة إلى بعضهم البعض.

إن أقوى البراهين لدينا على سلامة القرآن الكريم من الزيادة والنقصان هو تكفل الله وعل بحفظه، فهو الموجود بين الدفتين، وهو المتلوّ في صلوات المسلمين أينما كانوا، ومنه تستنبط الأحكام، وهو واحد لدى جميع المسلمين؛ فلو كان فيه شيء من عند غير الله لوقع فيه الاختلاف، فمصحف إيران هو نفسه مصحف السعودية ومصر، وهو نفسه مصحف اليمن وعُمان والجزائر ومن نُسب إليه التحريف ليسوا طائفة قليلة تعيش في قرية نائية حتى يخفي قرآنهم الذي يعتقدون به ويقرأونه، بل عددهم كبير وأمرهم ظاهر، ولو اختلف قرآنهم عن قرآن المسلمين لنقل واشتهر، فلا خفاء في هذا الأمر.

والسر في تميّز القرآن الكريم عن سائر الكتب السماوية الأخرى هو أن سائر الكتب جيء بها على

التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليها، فكان جامعا لما فيها

،

من الحقائق الثابتة زائدا عليها، … فقضى أن يبقى حجّة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرا يسّر له أسبابه فتكفّل الله تعالى بحفظه ليجعله حجّة قائمة على عباده ومعجزة باقية إلى يوم الدين. ولقد استشعر السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أهمية الأمانة وأنهم أوعية الحفظ ووسائط النقل فاشتدّت عنايتهم منذ بدء الوحي بحفظه بما لم تَعْنَ به أمة قبلهم، فحفظوا القرآن ورووه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متواترا، آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا، تثبيتا في السطور ووعيًا في الصدور، ووثقوا حتى أوجه قراءته وطرق نطقه بلهجات القبائل، وقيدوا طريقة رسمه في المصحف العثماني، وحافظوا عليها كما هي، ومع يقينهم بوعد الله بحفظ هذا الكتاب؛ فإنهم لم يركنوا إلى هذا الوعد دون جهد منهم، وإنما بذلوا أقصى ما يتصوَّره العقل من جهد بشري في تحقيق هذا الوعد الرباني؛ حتى تحقق لهم الإجماع على الصحة المطلقة لما تم جمعه، من حيث كماله وتمامه مكتوباً ومقروءاً؛ فليس ثمة شيء فيه ليس منه، ولا شيء منه ليس فيه؛ لذلك يُعدّ القرآن الكريم من الناحية التوثيقية أقوى الوثائق التي نقلت محفوظة كما هي بالتواتر، وهو الكتاب الوحيد الذي نزل من عند الله ولم يتعرّض للتحريف، ومن هنا فلن تثبت أي رواية مهما كانت في مخالفة حقائقه القطعية اليقينية.

—

-

1

محمد دراز، النبأ العظيم، مرجع سابق، ص 13 - 14.

2

عمر عبيد حسنة، الفكر المنهجي عند المحدثين (تقديم)، سلسلة كتاب الأمة، ط 1، رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية، قطر، 1408 هـ،

16، ص 7.

17

ع