الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٧١

الْأَنْهَارُ} [سورة التوبة: 100]؛ ومعنى اتبعوهم: ساروا على نهجهم؛ من صدق الإيمان والاستقامة وتبليغ دين الله ونصرته، ونحو ذلك.

وقد أوجز الحق سبحانه شروط دخول الجنة في سورة العصر بصيغة الحصر، فقال: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ، قال الرازي (ت 606 هـ) في تفسيرها: "هذه الآية فيها وعيد شديد؛ وذلك لأنه تعالى حكم بالخسارة على جميع الناس إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ فدل ذلك على أنّ النجاة معلّقة بمجموع هذه الأمور، وإنه كما يلزم المكلّف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحبّ له ما يحب لنفسه، ثم كرّر التواصي ليضمن الأوّلُ الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، فمن أتى بكل هذه الشروط نجا وفاز بالجنة ومن تخلّى عنها جميعا أو عن بعضها باء بالخسارة والحرمان من رحمة الله.

فهذا أهم ما وقفنا عليه من أسباب دخول الجنة عند استقرائنا -أي تتبعنا للفظ الجنة وضمائمها في جميع القرآن الكريم (الكشف اللفظي والمعنوي ونلحظ أن هذه الأسباب متضافرة ومتكاملة ومتداخلة فيما بينها، فهي شروط وأسباب كلية، تلمُّ مفاصل الدين وأطرافه، وتجعل منه كُلاً لا يتجزأ، فالإيمان وعمل الصالحات والتقوى والمجاهدة في سبيل الله والصدق في الإيمان والدعوة إلى الله والصبر والإحسان والمداومة على الطاعة والاستقامة والتوبة والصلاح والإصلاح والإسلام والإيمان بآيات الله واتباع هدى الله واتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .. كلّها معانٍ مترابطة ومتلازمة تقتضي استفراغ وُسع المسلم في الالتزام الدائم بتعاليم دينه وعدم الانحراف عنها، وإذا ما صدر منه شيء من المعصية سارع نحو التوبة ولم يبق مصرا على خطيئته. ونأخذ من جملة هذه الآيات أن الجنة لا تُنال بالأماني الطامعة ولا بالأحلام الفارغة ولا بمجرد الانتساب إلى الإسلام؛ فهي سلعة الله الغالية، تنال بلفيف من الإيمان والصبر والمجاهدة في فعل الطاعات وترك المنكرات ونصرة دين الله تعالى .. ، وهذا يخالف التصوّر السائد لدى كثير من المسلمين؛ إذ يحسبون أنّ الجنة مضمونة لكلّ مسلم موحد وإن تقليدا أو وراثة؛ مما أدّى فيما نراه واقعاً ملموساً إلى تعدّي حدود الله والاستهانة بشرعه الحنيف وعدم التأسي بنبيه الكريم؛ وهذا التصوّر لا نجد له مستندا في القرآن الكريم، الذي يشدّد على أن الدين كل لا يتجزأ، وأنّ الأخذ ببعضه لا يغني عن البعض الآخر.

1

2

ألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، مادة: [ت ب ع]، 290/ 1.

اللغة العربية، معجم الدين الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 117/ 28.

ينظر: مجمع

فخر

352