الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٧٢

المطلب الثاني: الآيات المتشابهات في الموضوع وردّها إلى المحكم.

توصلنا في المطلب السابق إلى صورة شمولية كلّية في مسألة أسباب دخول الجنة، فهي تمثل إذاً محكمات القرآن في المسألة المحدّدة المدروسة؛ فينبغي أن نردّ إليها ما اشتبه علينا من الآيات الأخرى في المسألة ذاتها، حتى ننره كتاب الله عن التناقض والاختلاف، فأي معنى شد وتناقض مع القواعد والكليات القرآنية فهو ليس من مراد الله، لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [سورة

النساء: 82].

فهاهنا آية في أسباب دخول الجنة قد يشتبه مفهومها في الذهن، وهي قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقُ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ. جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا، وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير [سورة فاطر: 32 - 33] محل الإشكال في هذه الآية الكريمة في عود الضمير (واو الجمع) من كلمة يدخلونها؛ هل يعود إلى أقرب المذكورين - وهو صنف السابق بالخيرات فقط، أو يرجع إلى الأصناف الثلاثة ومنها الظالم لنفسه؟.

ورد لفظ 'ظلم' ومشتقاته في القرآن الكريم بمعنى: جارَ ووضعَ الشيءَ في غير موضعه، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [سورة الطلاق: 1]، ويُستعار للكفر والشرك وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [يونس: 13]، وللتكذيب وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بها} [سورة الإسراء: 59]، فهو في أصله يستعمل لجميع أنواع التعدّي وتجاوز الحد، وقد يستعار لمعنى خاص وهو الكفر والشرك.

كما وردت عبارة "ظلم نفسه في القرآن الكريم في آيات عديدة بمعنى: "أساء إليها وعرضها للعقاب"2؛ أي أساء إلى نفسه بفعل المعصية وجعلها عرضة للجزاء المترتب عنها، وأورد الراغب الأصفهاني (502 هـ) أنواع الظلم فقال: "قال بعض الحكماء الظُّلْمُ ثلاثة: الأوّل: ظُلْم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه: الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] .... والثاني: ظُلم بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مثلها [إلى قوله:] إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 42] … ، والثالث: ظُلم بينه وبين نفسه، وإياه قصد بقوله: فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} [فاطر: 32]، وكلّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظُلم للنفس؛ فإنّ الإنسان في أوّل ما يهُمُّ بالظلم فقد ظَلَمَ نفسه، فإذا الظَّالِم أبدا مبتدى في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع:

1

أحمد مختار عمر، المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته، مرجع سابق، مادة: [ظ ل م]، ص 302.

2 ينظر: مجمع

اللغة العربية، معجم

ألفاظ القرآن الكريم، مرجع سابق، مادة: [ظ ل م]، 725/ 2.

353