الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٧٣وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 33]، فبيّن أن الظلم للنفس يشمل كل أنواع الظلم
الأخرى؛ لأنّ أثرها جميعا يقع على النفس.
وإذا كان هذا هو التعريف القرآني للظالم لنفسه؛ فهل يصح أن يكون هذا الصنف أهلاً لدخول الجنة والتمتع بنعيمها؟!، مع أن الآيات المحكمات السالف ذكرها بينت أن الإيمان والعمل الصالح وطاعة الله ورسوله والمجاهدة في سبيل الله والصبر على ذلك شروط موجبة لدخول الجنة؛ وإلى جانب ذلك نجد آيات عديدة تبين أن مصير الظالم هو العذاب والخسران، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: 22]، وقوله: {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مقيم [الشورى: 45]؛ وآيات أخرى تنفي محبة الله عنهم كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]؛ فدل ذلك على أن الضمير عائد إلى آخر المذكورين وهم السابقون فحسب - أي دون الظالم لنفسه، وقد رجح الرازي هذا الوجه في تفسيره للآية بعد ذكر الأوجه الأخرى، حيث قال: "وفي الداخلين وجوه أحدها: الأقسام الثلاثة وهي على قولنا إنّ الظالم والمقتصد والسابق أقسام المؤمنين، والثاني الذين يتلون كتاب الله، والثالث: هم السابقون، وهو أقوى لقرب ذكرهم؛ ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: يحلُّون، فالمكرّم هو السابق"، فرجّح الوجه الثالث
وهو أنّ الواو في (يدخلونها) عائد إلى أقرب المذكورين وهم السابقون؛ ولأنهم هم المعنيون بالتكريم في الآية. ويشبه هذا تماما ما جاء في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةَ فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيم} [سورة الواقعة: 7 - 12]، فمن الواضح جدا أن اسم الإشارة "أولئك" عائد إلى أقرب المذكورين وهو صنف السابقون"؛ إذ لا يسوغ أن يكون أصحاب المشأمة من المقربين في جنات النعيم!.
إذن فإرجاع الآية المتشابهة إلى المحكمات القاطعة يزيل الاشتباه عن دلالتها فيبقى فيها معنى واحد واضح؛ ولذا فإن تفسير الكتاب بالكتاب مهم جدا قبل تفسيره بالروايات، لئلا يُوجّه مدلول الآيات إلى حيث تميل الروايات الظنّية قبل عرضها على القرآن الكريم.
المبحث الثاني: الدراسة الموضوعية للأحاديث ومقارنتها بالقرآن
سبق الكلام في الفصل السابق عن أهمية الدراسة الموضوعية للأحاديث، وذكرنا أنه إذا تعذر جمع كل الأحاديث الصحيحة في الموضوع؛ وجب وضع معيار موضوعي لحصر الدراسة على مصادر محدّدة وعلى مسألة مضبوطة بعينها دون التجاوز إلى غيرها؛ ولذا ارتأينا أن نلتزم في دراستنا هذه بالضوابط الآتية:
1 الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مرجع سابق، ص 537 - 538.
2 فخر
الدين الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 240/ 26.
354