الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٩٢التوجيه الثاني: التخصيص بالتوبة.
التوجيه الثاني لتلك الأحاديث: أن النطق بجملة التوحيد ينفع مع التوبة من المعاصي، ومن ذلك تعقيب البخاري في صحيحه على حديث أبي ذرّ الآنف ذكره بقوله: "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم، وقال: لا إله إلا الله، غفر له"، فاشترط التوبة والندم للمغفرة؛ لأن الله تعالى جعل التوبة والمغفرة للتائبين المنيبين، لا للعصاة المصرين، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [سورة طه: 82] وقال بصيغة الحصر: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ؛ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا، وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ؛ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 17 - 18] ونص تلك الأحاديث مشكل لم يُصرّح بالتوبة، ولكن هذا يُدرك بجمع الآيات والأحاديث والنظرة الكلية
للموضوع.
التوجيه الثالث: التقييد بصدق الإيمان وإتباع الشهادة بالعمل. التوجيه الثالث لهذه الأحاديث أنه يُقصد بها إتباع كلمة التوحيد بالإخلاص والعمل، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان الصادق بها، ويشهد لهذا التأويل بعض الأحاديث التي تقيّد الجزاء بنيل الجنة ببعض الشروط الإيمانية والعملية، منها ما يأتي:
1. عن محمود بن الربيع الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي الله»؛ قال النووي في شرح الحديث: "وهذه الأحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله في كتابه، فحكى
بذلك وجه عن جماعة
من
السلف رحمهم
الله
منهم بن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وقال بعضهم
311
هي مجملة تحتاج إلى شرح؛ ومعناه من قال الكلمة وأدّى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصري، وقيل إنّ ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخاري فذكر هذه التأويلات، ومنها أداء حق كلمة التوحيد والقيام بفرائضها، وهو ما يشير إليه القيد المذكور في الحديث يبتغي بذلك وجه الله".
2. عن أبي ذر، قال: قال رسول الله: «أتاني آت من رتي، فأخبرني – أو قال: بشَّرَني- أنه: من مات من
أمتي
لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة» قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»، فهذه الرواية للحديث
1
2
البخاري، كتاب اللباس، باب الثياب البيض، ح:5497.
صحيح البخاري، كتاب الصلاة، أبواب استقبال القبلة، باب المساجد في البيوت، ح: 417؛ وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة،
باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، ح:1087.
3
4
النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، 219/ 1. صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنائز، ح:1193.
373