الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٩٣1
تبدو أكثر دقة من سابقتها، حيث نصت على عدم الإشراك بالله شيئا؛ وكلمة شيئا" تدلّ على عدم عبادة أي شيء من المعبودات التي تعبد من دون الله.
قال ابن حجر نقلاً عن الطيبي (ت 743 هـ): "قوله ولا يشركوا به شيئا يشمل مسمّى الشرك الجلي، فلا راحة للتمسك به أي حديث أبي ذرّ في ترك العمل؛ لأن الأحاديث إذا ثبتت وجب ضم بعضها إلى بعض، فإنها في حكم الحديث الواحد، فيحمل مطلقها على مقيدها، ليحصل العمل بجميع ما في مضمونها، فأوضح أنّ الشرك نوعان ظاهر وهو عبادة الأصنام، وخفي وهو الرياء وعبادة الهوى والشيطان
ونحو ذلك، وهذا الحديث يشمل كلا النوعين؛ فلا يضمن دخول الجنة لتاركي العمل والجهاد. 3. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَقَّاً حَقّاً، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عُبُودِيَّةٌ وَرِقاً، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إيمَاناً وَصِدْقاً، أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَلَمْ يَصْرِفْ وَجْهَهُ عَنْهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ»، فقيد قول كلمة التوحيد بقوله: حقا حقا" و"عبودية ورقاً و إيمانا وصدقا؛ أي: يقولها وهو مؤمن موقن صادق مصدّق، ملتزم بعبوديته وطاعته ومقتضى ذلك إتباعها بالعمل الخالص لله. 4. عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصاً وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فاشترط الإخلاص في الشهادة، ومعناه: "أن يحجزه لَا إِلَهَ إِلَّا الله عما حرم الله "، فلا يكفي مجرد الشهادة لنيل الجنّة الأبدية.
الله،
،
51
إذن فهذه الأحاديث متضافرة مع آيات الكتاب العزيز في بيان أن الجنة لا تنال إلا بالإيمان والعمل الصالح، والجد والصبر والمثابرة والمجاهدة في الطاعات واجتناب المنكرات، وأن مجرّد التوحيد لا يكفي بذاته سبباً للفوز بالجنة ونعيمها المقيم.
الأثر الإيماني والحضاري لتلك الأحاديث:
قص الله تعالى في كتابه عن المشركين أنهم كانوا يستنكفون عن الإقرار بجملة التوحيد بالرغم من استيقان أنفسهم بها، حيث قال: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [سورة الصافات: 35]، وما من نبيءٍ دعا إلى هذا الأمر إلا عُودي ولوحق واضطهد؛ والسؤال المطروح: لماذا كلُّ هذا الرفض والمعاداة والاضطهاد لهذه الجملة، إذا كانت مجرد كلماتٍ تُردَّد على الألسن، لا أثر له في الواقع، فمم كانوا يخافون، وما الذي كانوا
يحذرون؟!.
حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 270/ 11. الكليني، الكافي، بَابُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ حَقاً حقاً، ج 1، 519/ 2
1 ابن.
3
- المجلسي، مرآة العقول، مرج سابق، 207/ 12.
4 الكليني،
5
المجلسي،
الكافِي، بَابُ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخلِصاً، ح 1، 520/ 2.
، مرآة العقول، مرجع سابق، 210/ 12.
374