الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٩٤

لا شكّ أنّ العرب الأقحاح كانوا يدركون - بفقههم للسان العربي أن كلمة "لا إله إلا الله ليست مجرد

جملة تردّد على الألسن، وإنما تصنع ذلك الإنسان المؤمن المستقيم العابد المجاهد المخلص الله تعالى؛ فهي تعني العبادة والخضوع المطلق له دون سواه، وأنّ مخالفة أمره والتمادي في عصيانه يعد بمثابة حال العبد الآبق، الذي خرج عن طاعة سيده ورضاه؛ فمقتضى كلمة التوحيد: تحوُّلُ بوصلة الإنسان جذريا عن نزوات النفس والمخلوقين وتوجّهها إلى ربّ العزة جل شأنه، والتخلّص من كل الأنداد والشركاء، وجعل حبّ الله ورسوله فوق كلّ حُبّ، وأمرهما فوق كل أمر؛ ولذا فامتناعهم عن كلمة التوحيد راجع إلى تيقنهم بأن هذه الكلمة ستحول بينهم وبين رغباتهم وشهواتهم، كما قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [سورة القيامة: 3 - 5]. وفي مقابل ذلك نجد أنّ لهذه الكلمة شأناً عظيماً لدى النبي ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقد كانوا يرونها عهدا أمام الله، وميثاقا غليظاً مُلزمين بالوفاء به؛ فمخالفة مضمونها يُعدّ نَكثاً ونفاقاً يستوجب الإنابة والتوبة، وبهذا كان لها وقعها وأثرها الجلي في إيمانهم وسلوكهم، فهم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: 57 - 60]، وبذلك استحقوا النصر والتمكين في الدنيا، والفوز بالجنة في الآخرة. فإذا كان هذا هو أثر كلمة التوحيد عند السابقين الأولين؛ فما بالها أصبحت عند خَلَفِهم بطاقة أمانٍ وتسريح لفعل الكبائر والسيئات، وكأنها فدية تقدَّم لربّ العالمين للنجاة من وعيده والتفلت من نذره؛ بالرغم من أنهم في الغالب لم يبذلوا جهدا يُذكر في الوصول إليها بالنظر والاجتهاد وإنما اكتسبوها وراثةً عن آبائهم ومجتمعاتهم.

وبذلك انتهت فاعلية كلمة التوحيد في حياة كثير من المسلمين؛ بل أضحت متكاً لكل ظالم وفاسق، مادامت كافيةً لمحو السجلات الضخمة من الفواحش والموبقات، قال ابن حجر في سياق تلك الأحاديث: "قال الطيبي قال بعضُ المحققين: قد يُتخذ من أمثال هذه الأحاديث المبطلة ذريعةً إلى طرح التكاليف وإبطال العمل ظنَّا أن ترك الشرك كافٍ، وهذا يستلزم طيَّ بساط الشريعة وإبطال الحدود، وأن الترغيب في الطاعة والتحذير عن المعصية لا تأثير له، بل يقتضي الانخلاع عن الدين والانحلال عن قيد الشريعة والخروج عن الضبط والولوج في الخبط وترك الناس سُدى مهملين، وذلك يفضي إلى خراب الدنيا بعد أن يفضي إلى خراب الأخرى"، فبين الأضرار الواقعية الجسيمة على المستوى الديني والحضاري عند الأخذ بظواهر تلك الأحاديث.

1

ابن

حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 270/ 11.

375