الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٩٥

تحط

وعلى هذا ينبغي الحذر كل الحذر من إلقاء هذه الأحاديث بين الناس دون بيانٍ لأثرها وتعارض ظواهرها

مع قواطع القرآن؛ وما يُحدِث فيهم من فتنة ولبس واضطراب، قال محمد الغزالي: "أما إطلاق هذا الحديث وأشباهه بين العوام أو بين الناشئة دون وعي؛ فهو هدم للدين كله، وهو الأساس لتكوين طوائف من المتدينين، من قدر الإيمان وأثره … ؛ والمؤسف أنّ أقوامًا من أهل العلم الديني لا يكترثون بذلك؛ فالمرء إذا غمغم بين شفتيه بكلمة التوحيد؛ تحصن وراءها، فأصبح يسيرًا عليه ألا يقومَ إلى واجب وألا ينتهي عن محرّم، وقد زعم هؤلاء المغقلون أن الدين ينص على ذلك! ألا ساء ما يصنعون؟؟! "، فبيّن أثر هذه الأحاديث في تنصل كثير من المسلمين من مسؤوليتهم الدينية والأخلاقية بحجّة تحصنهم بكلمة التوحيد.

ثم إنه بعدما انحرف الناس عن تعاليم الدين وانتهكت حدوده بمثل هذه الأفكار، وتقهقر حال الأمة إلى الحضيض وفق سُنن إلهية صارمة لا محاباة فيها، جاء المفكّرون المعاصرون ليبحثوا إشكالية العلاقة أو المفارقة بين حقيقة الإسلام وواقع المسلمين وبين الفكر، والفعل، وبين القول والعمل؛ ويقارنوا بين خير أمة أخرجت للناس وأمة أضحت في ذيل الأمم؛ ولكن الأمر في جوهره راجع إلى الأفكار التي تسرّبت عبر تلك المرويات وأمثالها، وهي - في حقيقة الأمر - روايات ظنّية في ثبوتها ودلالتها.

ثانيا: حديث يُوهِم نفي نيل الجنة بالعمل.

عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله له يقول: «لن يُدخل أحدًا عمله الجنة»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «لا، ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة»، ونحوها رواية ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قِيلَ: وَلاَ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلاَ أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ» "، وهذا الحديث يتعارض ظاهره مع الآيات العديدة التي تنص على أن الجنة تنال بالعمل، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف: 43]، ونحوها.

نقل ابنُ حجر (ت 852 هـ) قول ابن بطال (ت 449 هـ) - في الجمع بين هذا الحديث والآية المتقدّمة: "أنْ تُحمَل الآية على أنّ الجنة تُنال المنازل فيها بالأعمال؛ فإنّ درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، وأن يُحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها، ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل: 32]، فصرّح بأن دخول الجنة أيضا بالأعمال، وأجاب بأنه لفظ محمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول"!؛ ويُلحظ في

محمد الغزالي، عقيدة المسلم، ط 1، دار نهضة مصر، مصر، دت، ص 127. صحيح البخاري، كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، ح: 5357. ومسلم بلفظ قريب. 3 الجامع الصحيح مسند الربيع، كتاب الأيمان والنذور، باب 55 الآداب، ح:736.

1

2

4

ابن

حجر، فتح الباري، مرجع سابق، 295/ 11.

376