الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٩٦هذا التأويل أنّه حمل الآية على الحديث، فأوَّلَ معنى الآية ليتوافق مع دلالة الحديث، وهذا ليس صائباً –في نظر الباحث، بل الصواب أن يُحمَلَ الحديث على الآية وليس العكس؛ لأنّ الهيمنة لكلام الله تعالى القطعي على
الحديث الظنّي.
وقال: "ويجوز أن يكون الحديث مفسّرًا للآية؛ والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضّله عليكم؛ لأنّ اقتسام منازل الجنّة برحمته وكذا أصل دخول الجنة هو برحمته؛ حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك،
1،
ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضّل عليهم ابتداءً بإيجادهم ثم برزقهم ثم بتعليمهم" فهذا التفسير مقبول على أنّ هذه الرحمة والفضل والهداية ليست عطايا عشوائية مجانية، وإنما تتم وفق قوانين ربانية عادلة وواضحة قد بينها الله في محكم كتابه، وتُنفّذ دون تحيّز أو محاباة، فمن عمل واجتهد رحم، ومن أعرض وتكاسل حُرم.
وهذا التوجيه للحديث يشبه قوله تعالى عن سليمان العلي: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]، فدعا الله تعالى لأن يوفّقه إلى الشكر والعمل الصالح أوّلا، وأن يدخل في زمرة الصالحين برحمته ثانيا.
وقال نور الدين السالمي (ت 1332 هـ): "قوله: «لن يدخل الجنَّة أحدٌ بعمله»؛ أي بسبب عمله المجرد عن رحمة الله تعالى، لكن يدخلها بالعمل المقرون بالرحمة، ولهذا قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته»، وبهذا المعنى يحصل الجمع بين الحديث وبين الآيات الدالة على دخولها بالأعمال، كما في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الزخرف: 172] وقوله: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة السجدة: 17] وفي أمثالها من الآيات، وذلك أنَّ التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي تحصل بها النجاة، فبيّن أنّ دخول الجنة بالعمل مع رحمة الله؛ لأن الله تعالى هو مصدر القوة والتوفيق
للعمل.
وبعضُ الناس أخذوا بظاهر الحديث فحسبوا أن الجزاء الإلهي مجرّدَ حظوظ وهبات، أما العمل فليس إلاّ ثانويا مكمّلا؛ مما أدّى إلى اضطراب في الفهم وانحراف في السلوك، قال محمد الغزالي: "كنتُ أزجر بعض الناس عن رواية الحديث الصحيح حتى يكشفوا الوهم عن معناه إذا كان هذا المعنى، موهما، مثل حديث «لن يدخل أحد الجنة بعمله … الخ»؛ إنّ طوائف من البطالين والفاشلين وقفت عند ظاهره المرفوض، وحسبوا أن الجنة تُدخل دون عمل، وتناسوا عامدين عشرات الآيات التي تجعل دخول الجنة نتيجة عمل واجب، فكنتُ أبين لهم أن الحديث ينفي الاغترار والاستكبار بالعمل؛ أي ينفي أن الجنة ثمن العمل المقدّم، ولكنه لا ينفي أبدا أنّ العمل سببها
1
2
ابن
نور
حجر، فتح الباري، مرجع سابق، 296/ 11.
الدين السالمي، شرح الجامع الصحيح، مرجع سابق، 566/ 3. وذكر أوجها أخرى للجمع والتوفيق تنظر هناك.
377