الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٣٩٧المحتوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأعراف: 43]، فبين الغلط في الفهم الظاهري للحديث، وأثره السيء على الأمة، وقال: "وكثير" من القصاص والوعاظ ينقصهم الوعي الذكي بالقرآن والاقتراب الخاشع من مغازيه، وبيناته، ومع ذلك فلديهم ثروة طائلة. من أحاديث الآحاد، التي تحتاج
211
إلى ترتيب وحسن إدراك "، فانتقد أصحاب المنابر الذين يُغرُون عوام الناس بمثل هذه الأحاديث دون تبصر. وأوضح الغزالي أنّ لهذه الأحاديث تأثيراً مباشراً على سلوك الفرد والمجتمع، وهو ما نراه جليا في واقع الأمة، حيث قال: "وما أصاب المسلمين من كوارث ونكبات عندما فهموا دينهم على ذلك النحو الأبتر؛ أمة تعتبر العمل من الكماليات الخفيفة؛ كيف يقوم لها دين؟ أو تقوم بها دنيا؟ إن الله جل جعل العمل رسالة الوجود ووظيفة الأحياء، وجعل السباق في إحسانه سرّ الخليفة ودعامة الحساب، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 32؛ إذن فالبون شاسع بين ما تدل عليه آيات الكتاب وما تقوم عليه تصوّرات كثير من المسلمين.
وأوضح الغزالي الفهم السليم للحديث إذا صح بأنه لا بد من عمل ينال به المرء رضا ربّه ويستحق رحمته؛ فالجنة ليست للكسالى والأراذل، بيد أن العمل المقبول هو المقرون بالتواضع لله، وإنكار الذات، والخوف من عدم القبول؛ لأن عيوبه لا تخفى عليه، أو لأنه دون حقه، أو لأي سبب آخر؛ فالحديث تنوية بقيمة النعم التي يحظى بها أغلب الناس، وليس فيها أي انتقاص لعنصر العدالة، أو خدش لموازين الجزاء في الدار الآخرة، فالمقصد من الحديث أن عمل المؤمن لا يعدِل الجنة بذاته بل إلى جانب رحمة الله وفضله؛ لأنّ عمل الإنسان في الحقيقة ما هو إلا شكر لنعم الله عليه ولو عبد الإنسان ربّه طول حياته لما أوفى حقَّ بعض نعم جسده؛ فكيف
بغيرها؟!.
إذن فالفضل دائما راجع إلى الله؛ فنعمة التوفيق والهداية إلى الإيمان والعمل الصالح راجعة إلى الله تعالى، ولا يحق للمسلم أن يمتنّ بشيء من أعماله؛ فذاك يتعارض مع مقتضى عبوديته الله جل شأنه، والدلائل على هذا المعنى في القرآن كثيرة منها قوله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ؛ بَل اللَّهُ يَمُنُ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات: 17]، وقال تعالى لنبيه: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [سورة المدثر: 6]، وقال: {فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [سورة النجم: 32].
محمد الغزالي، السنة النبوية، مرجع سابق، ص 137.
م ن، ص ن.
محمد الغزالي، عقيدة المسلم، مرجع سابق، ص 128.
محمد الغزالي، جدّد حياتك، ط 1، نهضة مصر، مصر، دت، ص 123؛ ومحمد الغزالي مائة سؤال عن الإسلام، مرجع سابق، ص 208.
6
378
1
2
3
4