الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٩٨

فهذا التوجيه للحديث يزيل عنه الإشكال، ويجعله محل قبول، وينبغي أن نستحضر رواية الحديث بالمعنى وما يعتري عملية نقله في المرحلة الشفوية من مؤشّرات؛ حيث ورد هذا الحديث برواية أخرى، عن جَابِرٍ بن زَيْدٍ عَن

النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلا بِعَمَلٍ صَالِحٍ وَبِرَحِمَةِ اللَّهِ وَشَفَاعَتِي»، فهذه الصيغة تبدو أقرب للمدلول القرآني، وأبعد عن الإشكال؛ لأنها لا تنفي نيل الجنة بالعمل.

ثالثا: أحاديث ثناء الناس على الميت.

نص حديثان على أنّ من أسباب دخول الجنة وأماراتها أن يشهد الناس على مسلم بالخير، وهما:

1. عن أنس بن مالك قال: "مروا بجنازة، فأثنوا عليها خيرا، فقال النبي: «وجبت»، ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: «وجبت»، فقال عمر بن الخطاب له: ما وجبت؟ قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا، فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض "، قال ابن حجر: "المراد بقوله وجبت أي الجنة لذي الخير والنار لذي الشر، والمراد بالوجوب الثبوت "؛ فهذا الحديث يقرّر أنَّ ثناء الناس على العبد سبب لدخوله الجنة، وذمَّهم له موجب لدخوله النار.

41

311

2. عن عمر قال النبي: " أيما مسلم، شهد له أربعة بخير، أدخله الله الجنة»، فقلنا: وثلاثة، قال: «وثلاثة» فقلنا واثنان، قال: «واثنان»، ثم لم نسأله عن الواحد "؛ وهذا الحديث يشبه الذي قبله، بل فيه أن مجرد شهادة اثنين فصاعداً بالخير على مسلم سبب لدخوله الجنة، مع تأكيد الحديث بصيغة الإطلاق أيما مسلم. قال ابن حجر: "قال الداودي (402 هـ): المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفسقة؛ لأنهم

511

قد يثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة؛ لأن شهادة العدوّ لا تُقبل"، فبيّن أن القاعدة ليست عامة في أيّة شهادة، بل هي مخصوصة بأهل الفضل والصدق، لكن نصّ الحديث جاء بصيغة الإطلاق!. وقال النووي: "وأما معناه ففيه قولان للعلماء، أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، فكان ثناؤهم مطابقا لأفعاله فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك فليس هو مرادًا بالحديث؛ والثاني وهو الصحيح المختار-، أنه على عمومه وإطلاقه، وأنّ كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا، وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تحتم عليه العقوبة، بل هو في خطر المشيئة، فإذا ألهم الله كل الناس الثناء عليه استدللنا بذلك على أنه سبحانه

الجامع الصحيح مسند الربيع، الأَخْبَارُ الْمَقَاطِيعُ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ، ح 1001، 278/ 4.

صحيح

1

2

3

4

5

البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، ح:1312.

ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 229/ 3. البخاري، كتاب الجنائز، باب ثناء الناس على الميت، ح:1313.

ابن

حجر

العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 230/ 3 - 231.

379