الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٣٩٩

وتعالى قد شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء"!، فالقول الأوّل مقبول لكن لا ينسجم مع صيغة الحديث الدالة على الاستغراق، والإطلاق أما القول الثاني فغريب جدا؛ إذ كيف يكون كلام الناس حاكماً بدل حُكم الله! والله يحكم لا معقب لحكمه، ولحكمه قوانين وسنن لا تتخلّف،، مع أننا لم نقف في القرآن الكريم على سبب كهذا لدخول الجنة؛ بل فيه أنّ الإنسان لا يعلم السرائر؛ فالله وحده مطلع على خبايا الأنفس وذوات الصدور، وأن الظواهر لا تعطي حقيقة العبد، ومن الأدلة على ذلك؛ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [سورة النمل: 74]، {إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [سورة فاطر: 38]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [سورة البقرة: 204]. وقد يكون المراد بالحديث أن شهادة الناس بالخير على مسلم أمارة على صلاحه، وهذا صحيح في الغالب؛ لكنه ليس قاعدة مطّردة؛ فكم من أناس أظهروا صلاحا وأبطنوا فسادا، ومن ذلك حديث الشملة السالف ذكره وفيه: "فبينما هو يحطّ رحل رسول الله الله إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل والذي نفسي بيده؛ إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها لتشتعل عليه نارا، فيُلحظ أنه لم تنفع له شهادة الناس.

المقاسم،

311

وكذا حديث ثوبان عن النبي، أنه قال: " «لأعلمنّ أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله ل هباء منثورا»، قال ثوبان يا رسول الله صفهم لنا، جلّهم لنا أن لا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال: «أما إنّهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها، فدلّ على أن الظواهر ليست دوما مطابقة للبواطن؛ فقد يخفى على الناس بعض أحوال العبد وأعماله، فلا يكون حكمهم عليه بالخير موافقاً لحقيقته التي اختص الله سبحانه بعلمها، وكل ما يمكن للمسلم أن يرجو من الله الرحمة والرضوان لأخيه المؤمن الذي شهد منه الخير دون قطع بالأمر، وأن يكل علم ذلك إلى علام الغيوب.

1

2

3

النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، مرجع سابق، 19/ 7 - 20.

صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ح: سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر الذنوب، ح 4243، ا، صححه محبوب بن الرحيل عن الربيع، ج 4، ح 963.

4006

الألباني. وقريب من لفظه: الجامع الصحيح مسند الربيع، رواية أبي سفيان

380