الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٠١بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، قال ابن حجر (ت 852 هـ) في تفسيره للحديث: "والمعنى أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة والمكتوب في اقتضاء الشقاوة؛ فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنّه لو تمثل العمل والكتاب شخصين ساعيين لظفر شخصُ الكتاب وغلَب شخص العمل، فظاهرُ الحديثِ وشرحه أنّ الكتاب -أي القدر - هو الذي يُرغم الرجلَ على عمل أهل الجنة أو عمل أهل النار آخر حياته فيتحقق مقتضى القدر، فهو إذاً مجبر غير مخيّر، والصواب أنّ الإنسان حرّ في اختياره طريق السعادة أو طريق الشقاوة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: 3]، ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [سورة البلد: 10]؛ أما علم الله السابق فعِلمُ كَشْف عما سيكون؛ ولا يجبر الإنسان على عمله كتنبّؤ المعلم بفوز تلميذه المجتهد وإخفاق تلميذه المتهاون دون أن يؤثر هذا التنبؤ على عملهما؛ فالقول بالجبر ينافي حكمة الله، وعدله حيث اقتضيا مساءلة الإنسان عن عمله، حيث قال: وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة النحل: 93]، ولا يُسأل الإنسان عن شيءٍ جُبر عليه، فهذا ظلم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة فصلت: 46].
علم
311
2. عن عائشة أم المؤمنين، قالت: "دعي رسول الله لها إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال: «أو غير ذلك، يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وصيغة هذا الحديث موهمة للجبر؛ حيث تنص على أنهم خُلِقُوا للجنة أو للنار قبل يولدوا ويعملُوا، والعبارة السليمة أن يُقال: الله أعمالهم ومصائرهم قبل أن يُخلَقوا عِلماً كاشفاً عما سيقع غير مجبر؛ والفرقُ واضح بين الأمرين. 3. عن حارثة بن وهب قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ألا أدلكم على أهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره»، قال ابن حجر: "والمراد بالضعيف: من نفسه ضعيفة لتواضعه وضعف حاله في الدنيا"، أما المتضعف: "بكسر العين، وبفتحها، وهو أضعف، وفي رواية الإسماعيلي مستضعف، وفي حديث عبد الله بن عمرو عند الحاكم الضعفاء المغلوبون، وله من حديث سراقة بن مالك الضعفاء المغلوبون، ولأحمد من حديث حذيفة الضعيف المستضعف ذو الطَّمْرَيْن لا يُؤبَه له، فظاهرُ الحديثِ يحثّ على الضعف والمسكنة.
1
2
3
البخاري، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ح: 3051.
ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 487/ 11.
صحيح مسلم، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار، ح: 4920؛ وقد ضعفه ابن عبد البر وردّه حيث قال: "وهذا حديث ساقط ضعيف مردود بما ذكرنا من الآثار والإجماع "؛ ابن عبد البر، التمهيد، مرجع سابق، 350/ 6 - 351. صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور باب قول الله تعالى: وأقسموا بالله جهد، أيمانهم، ح: 6292. ولفظ مسلم قريب منه. حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 663/ 8.
4
5
6
ابن
الطمر: "الثوب الخلق"؛ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مرجع سابق، مادة [ط م ر]، ص 424؛ أي إشارة إلى الفقر.
382