الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤٠٢

4. عن أبي هريرة قال: قال النبي: "تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرتُ بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت

2

الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطهم؟» قال ابن حجر: قوله ضعفاء الناس وسَقَطهم -بفتحتين أي المحتقرون بينهم، الساقطون من أعينهم، هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس، وبالنسبة إلى ما عند الله هم عظماء رفعاء الدرجات، لكنهم بالنسبة إلى ما عند أنفسهم لعظمة الله عندهم وخضوعهم له في غاية التواضع

4

لله والذلة في عباده، فوصفهم بالضعف والسقط بهذا المعنى صحيح، أو المراد بالحصر في قول الجنّة إلا ضعفاء الناس الأغلب"، وفي رواية مسلم: «وغرَّتُهم»، وهم "البله الغافلون، الذين ليس بهم فتك وحذق في أمور الدنيا"، فهذه أوصاف أهل الجنة في الحديث.

والإشكال المتبادر في الحديثين أنّه إذا كان الضعف والعجز والسقط قدَرًا محتوما؛ فلم نيك الجنة بسببه؟، أما إذا كان الأمر اكتسابًا؛ فالقوة ممدوحة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [سورة القصص: 26]، وفي حديث أبي هريرة عن النبي: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي

الله

كل خير»، وهل ديننا يحثّ على الضعف والمذلة؟! وكيف يكون أهل الجنة غرّة الناس وأبلههم، وقد وصفهم في كتابه بأنهم أولوا الألباب؟! قال يوسف القرضاوي مشيدا بقيمة العقل في القرآن: "إذا كان أهل الجنة عموما أولوا الألباب، فإنّ أهلَ النّار كما صوّرهم القرآن هم أهل الغباء والجهل والغفلة وليس كما يوحي به مفهوم ذلك الحديث"، فنفى أن تكون مثل هذه الأوصاف صالحة لأهل الجنة.

811

قال النووي: "وقيل معنى الضعفاء هنا وفي الحديث الآخر «أهل الجنّة كل ضعيف متضعف» أنه: الخاضع الله تعالى المذلّ نفسه له سبحانه وتعالى ضدّ المتجبّر المستكبر، وعلى هذا المعنى - أي التواضع في جنب الله أو في جنب المؤمنين فلا إشكال فيه، كما وصف القرآن: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم [المائدة: 54]، لكن ألفاظ الحديث (ضعيف- متضعف - سَقطهم -غرتهم موهمة ومشكلة بخلاف ألفاظ الآية المحكمة، فينبغي التيقظ

لذلك.

1

2

3

4

5

6

ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 663/ 8. البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، باب قوله: وتقول هل من مزيد، ح:4572.

ابن

حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، مرجع سابق، 597/ 8.

صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ح:5190. النووي، المنهاج، مرجع سابق، 181/ 17.

صحيح مسلم، كتاب القدر، باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير الله، ح:4923. 7 يوسف القرضاوي، فتاوى معاصرة، دط، دار القلم، الكويت، 1996 م، 73/ 2 - 77.

8

النووي، المنهاج، مرجع سابق، 181/ 17.

383