الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤١٤فلا تفاضل في الإسلام بالأجناس أو بموالاة الأجناس والأنساب، إنما التفاضل بالأعمال والتقوى، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [سورة الحجرات: 13]، هذا هو المبدأ الرباني القرآني الذي ينبغي الأحاديث المروية في هذا الشأن.
اللَّهَ
أن تعاير عليه جميع
كما أن القرآن الكريم حارب تزكية الأنفس والتفاخر بالانتماء فقال عزّ شأنه: {فَلَا تُزَكُوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [سورة النجم: 32]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [سورة النساء: 49 - 50]، وقد نعى الله تعالى على أهل الكتاب الذين يدعون حبّ الله إياهم بمجرد انتمائهم فقال: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [سورة المائدة: 18]، فبين القرآن لهم أنهم ليسوا من طينة خاصة، بل هم بشر كسائر الناس تُجرى عليهم سنن الله وقوانينه العادلة في الجزاء والعقاب، دون تمييز بين عرق وآخر، أو بين دين وآخر.
كما أن رحمة الله وسعت كل شيء، وهي مكتوبة لمن حقق شروطا معينة، مبيّنة في قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف:156، 157]؛ فبهذه
الشروط تنال، الجنة وليس بمجرد الانتماء أو الادعاء.
والأحاديث التي تهدف إلى نصرة الآراء المذهبية والسياسية حكم عليها العلماء من شتى المدارس الإسلامية بالوضع، فهي تختلق أسباباً وشروطا لدخول الجنة ما أنزل الله بها من سُلطان، ويصدق عليها قوله تعالى: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى} [النجم: 23 - 25]. وننبه إلى أنّ هذه الأحاديث لا تلزَمُ مدرسة الشيعة الإمامية قاطبة، فكثير من علمائهم صرّح ببطلانها ووضعها، وأنها مجعولة على الأئمة ولم يقبلوا بها، معترفين بأنّ كتاب الكافي يحمل المئات أو الآلاف من الأساطير والغرائب والروايات المسيئة للإسلام؛ ومن ذلك قول هاشم معروف الحسني (ت 1983 م): "الغريب أن يأتي شيخ المحدثين [يقصد الكليني] بعد جهاد طويل بلغ عشرين عاما في البحث والتنقيب عن الحديث الصحيح، فيحشد في كتابه تلك المرويات الكثيرة في حين أنّ عيوبها متنا وسندا ليست خفية بنحو تخفى على من هو أقلّ وخبرة بأحوال الرواة، وجاء الرواة المحدّثون من بعده فاحتضنوا الكافي ومروياته؛ لأنه بنظر فريق لم يتخطّ المرويات الصحيحة، وبنظر الفريق الأكثر جمَعَ كميةً كبيرة من المرويات الصحيحة إلى جانب المرويات المكذوبة على أهل
منه علما
395