الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤١٦وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ [سورة التحريم: 4]، فدلّت الآيتان على أن النبي صلى الله عليه وسلم إن هو إلا بشر يوحى إليه، وليس بيده أمر الثواب والجزاء، وأن أزواجه محاسبات على أعمالهن؛ وزواجهن بالنبي تشريف وتكليف، وليس مجرد تشريف.
(5) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ الله، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ حَفْصَةَ وَالْمَرْأَةُ مُتَلَبِّسَةٌ مُتَمَشِّطَةٌ، فَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْطُبُ الزَّوْجَ، وَأَنَا امْرَأَةٌ أَيَّمْ لَا زَوْجَ لِي مُنْذُ دَهْرٍ وَلَا وَلَدَ؛ فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَإِنْ تَكُ، فَقَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ إِنْ قَبِلْتَنِي، … فقال: رَحِمَكِ! اللَّهُ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَكِ الجنَّةَ لِرَغْبَتِكِ فِي وَتَعَرُّضِكِ لِمَحَبَّتِي وَسُرُورِي، فأوجب الجنة للمرأة لمجرد رغبتها في الزواج بالنبي وعرض الخطبة عليه.
(6) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَتْ فَخِذٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلَامَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةٌ، فَقَالَ: هَاتُوا حَاجَتَكُمْ، قَالُوا إِنَّهَا حَاجَةٌ عَظِيمَةٌ، فَقَالَ: هَاتُوهَا مَا هِيَ؟ قَالُوا: تَضْمَنُ لَنَا عَلَى رَبِّكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَنَكَسَ رَسُولُ اللهِ الله رأْسَهُ ثُمَّ نَكَتَ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ بِكُمْ عَلَى أَنْ لَا تَسْأَلُوا أَحَداً شَيْئاً، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَيَسْقُطُ سَوْطُهُ فَيَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ لإِنْسَانٍ نَاوِلْنِيهِ فِرَاراً مِنَ الْمَسْأَلَةِ فَيَنْزِلُ فَيَأْخُذُهُ، وَيَكُونُ عَلَى الْمَائِدَةِ فَيَكُونُ بَعْضُ الْجُلَسَاءِ أَقْرَبَ إِلَى الْمَاءِ مِنْهُ فَلَا يَقُولُ نَاوِلْنِي حَتَّى يَقُومُ فَيَشْرَبُ»، فالحديث نص على ضمان النبي الجنة على الله لبعض الناس لمجرد تعففهم عن المسألة، وهذا مخالف لطبيعة النبي الله المبينة في قوله تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [سورة الأحقاف:9] فأتى له أن يضمن الجنة لأحد، بل أمر ذلك إلى الله.
فهذه جملة الأحاديث المعارضة للقرآن الكريم، استقريناها من كتب الصحاح محل التطبيق تذكر أسباباً وشروطاً لدخول الجنة لا وجود لها في القرآن الكريم، بل مما يخالفه ويعارضه، فأهل الجنة في القرآن –كما سلف بيانه هم المؤمنون المتقون الصالحون المحسنون، التائبون العابدون، الشاكرون العاملون المطيعون العابدون، المجاهدون في سبيل الله بالمال والأنفس … الخ من الصفات، والآيات القرآنية المحكمة مقدّمة على ما خالفها من الأحاديث الآحاد الظنّية وإن كانت صحيحة عند أهلها.
وقد وقفنا على أنّ من تلك الأحاديث ما يقبل التأويل وقد أوردناه في محله، ومنها ما حُمّل تأويلا بعيدًا غير مستساغ فلا نتكلّف تأويله كما بينا في الضوابط، ونشير إلى أنّ تصنيف حديث ضمن الحديث المعارض
1
الكليني،
2 الكليني،
الكافي، باب نَوَادِر، ح 53، 568/ 5.
الكافي، بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ، ح 5، 21/ 4.
397