الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤١٧للقرآن الكريم مع إمكان تأويله تنبية واحتراز من أن يُنشَر للعامة والناشئة دون بيان لمخالفته وإزالة لإشكاله، وهذا
الأمر في غاية الأهمية؛ لتأمين الإيمان من الزيغ والدخيل، وتخليصه من الأوهام والظنون.
المطلب الثالث: الحديث المستقل عن القرآن الكريم.
بعد فراغنا من تطبيقات الحديث الموافق للقرآن الكريم والحديث المعارض له في مسألة أسباب دخول الجنة؛ ننتقل إلى الحديث المستقل عن القرآن الكريم، وهو الحديث الذي لا يحمل موافقةً واضحة ولا معارضةً صريحة لنص القرآن الكريم؛ وإنما يُضيف أسباباً جديدةً من أسباب دخول الجنة لم يرد ذكرها في القرآن الكريم. أولا: الجمع الموضوعي لأحاديث أسباب دخول الجنة المستقلة.
وقفنا عند استقراء كتب الصحاح محل التطبيق لمختلف المدارس على ما يزيد عن خمسين حديثا مستقلاً عن القرآن في مسألة شروط الجنة، وسنوردها مع تحليل موجز، دون التطرّق لأقوال الشراح إلا ما كان فيه غموض أو احتاج إلى بيان؛ وهذا تفاديا للحشو والتطويل، وهي كما يأتي:
1) عن أبي عبس الأنصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار»، فذكر أن السعي نحو الجهاد في سبيل الله من أسباب النجاة من النار ودخول الجنة، وعن عثمان بن عفان أن النبي قال: "من يحفر بئر رومة فله الجنة»، فحفرها عثمان، وقال: «من جهز جيش العسرة فله الجنّة» فجهزه عثمان "2، فبيّن الحديث أن ثواب حفر البئر وتجهيز الجيش هو الجنة.
وقد ذكرنا سابقا - من أسباب دخول الجنة في القرآن المجاهدة في سبيل الله، بمعناها العام أي مجاهدة النفس وتزكيتها، أو بمعناها الخاص أي المقاتلة مقرونة بالإيمان، كما في قوله تعالى: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95]، وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [سورة الصف: 10]، أما ذكر المجاهدة بمعناها الخاص -أي المقاتلة - محرّدًا كسبب من أسباب دخول الجنة فلم نقف عليه في القرآن الكريم.
1
صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب المشي إلى الجمعة، ح:880 وقريب من لفظه: مسند الإمام زيد، كتاب السير وما جاء في ذلك، باب
فضل الجهاد، ص 314.
2
صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي، ح 3694.
398