الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤٣١

(53) عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ كَتَبَ اللَّهُ وَ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ دُعِيَ بِالْأَبَوَيْنِ، فَيُكْسَيَانِ حُلَّتَيْنِ يُضِيءُ مِنْ نُورِهِمَا وُجُوهُ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فجعل مجرّد إفراح الولد وتعليمه القرآن موجبا للجنة والرضوان.

54) عن أبي عَبْدِ اللهِ قال: قَالَ اللَّهُ: «مَنْ تَرَكَ الْمُسْكِرَ ابْتِغَاءَ مَرْضَانِي أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ وَسَقَيْتُهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَحْتُومِ»، وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: «مَنْ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنِ الْغِنَاءِ؛ فَإِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَأْمُرُ اللَّهُ وَعَجَلَ الرِّيَاحَ أَنْ تُحَرِّكَهَا فَيَسْمَعُ لَهَا صَوْتاً لَمْ يَسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ لَمْ يَسْمَعْهُ»، فالحديثان يجعلان ترك المسكر والغناء من موجبات دخول الجنة والتنعم بخيراتها.

إذن فهذه جملة الأحاديث المستقلة عن القرآن في مسألة أسباب دخول الجنة، وقد وقفنا عليها بالاستقراء الشامل في كتب الصحاح محلّ التطبيق؛ ونلحظ أنّ تلك الأسباب تتمحور على الرغائب والفضائل ومكارم الأخلاق، وبمقارنتها مع الأسباب الواردة في القرآن الكريم، لا نجدهما متشابهتين؛ إذ إنّ القرآن الكريم يشترط لنيل الجنة شروطًا كلية كالإيمان والعمل الصالح والطاعة والعبادة والتقوى … ، بينما هذه الأحاديث تجعل الثواب بالجنة بأعمال جزئية يسيرة من الدين؛ ومن هنا وجب البحث والتفحّص في أصول تلك الأحاديث وآثارها. ثانيا: الأصول والآثار العقدية لهذه الأحاديث.

قبل أن نبحث عن أصول أحاديث الفضائل؛ لا بد من الكشف عن منهج القرآن الكريم في ذكره للرغائب والفضائل وثوابها؛ فهو حافل بالدعوة إليها؛ لكن هل يجعل ثوابها الجنة مباشرة أو ما دونها من الثواب؟ 1. منهج القرآن الكريم في حديثه عن فضائل الأعمال. عند استقرائنا في مبحث سابق - أسباب دخول الجنة في القرآن الكريم لم نقف على آيات تبشر بالجنة لمجرّد عمل يسير من أعمال الفضائل، ولكن وقفنا على منهج القرآن في وصف ثوابها كالآتي:

أ - الإثابة بالجنة مع بيان التلازم مع الشروط الكلية الأخرى:

ومثاله قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ. فَتُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ. يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ. أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ. ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [سورة البلد: 11 - 18]، فنلحظ أن الآية لم تكتف بأوجه الخير من فلفّ الرقبة وإطعام المسكين سبباً لأن يكون صاحبها من أصحاب اليمين، بل أكدت على أن يكون من المؤمنين المتواصين بالصبر والمرحمة.

1

الكليني، الكافي، باب بِرِّ الْأَوْلَادِ، ح 1، 49/ 6.

2 الكليني، الكافي، باب شارب الخمر، ح 7، 397/ 6

3 الكليني،

الكافي، باب الْغِنَاء، ح 19، 434/ 6.

412