الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤٣٢

ب - التنبيه إلى شروط قبول الأعمال:

تنبه الآيات القرآنية إلى أنّ الأعمال الصالحة ليست كلُّها مقبولةً بالضرورة، وإنما القبول لمن حصل شروطه، وعلى رأسها التقوى، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة المائدة: 27]، قال ابن عاشور: "وإنما

لم يتقبل الله قربان قابيل؛ لأنه لم يكن رجلا صالحا، بل كانت له خطايا، فلم يقبل قربانه بسبب معاصيه. ومن شروط قبول العمل إخلاصه الله تعالى وحده، كما قال تعالى: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (سورة الكهف:110]، قال الفخر الرازي: "ولما كان العمل الصالح قد يُؤتى به الله، وقد يُؤتى به للرياء والسمعة لا جرم اعتبر فيه قيدان أن يُؤتَى به الله، وأن يكون مبراً عن جهاتِ، فعند انتفاء هذين الشرطين أو أحدهما ينتفي القبول والثواب.

الشرك "2

ت - التبشير بالأجر والثواب وليس بالجنة

وذلك كما قال تعالى في ثواب الأمر بالمعروف وإصلاح ذات البين: ولا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [سورة النساء: 114]، وقوله في الإنفاق: وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة التوبة: 121]، وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [سورة الحديد: 11]، وقوله في الهجرة: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: 41]، وقوله في العفو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشورى: 40].

فالآيات القرآنية لم تجعل الثواب بالجنة هكذا جملةً على أصحاب الفضائل المذكورة؛ من الأمر بالمعروف وإصلاح ذات البين والنفقة والهجرة في سبيل الله والعفو، وإنما أثبتت الأجر الكريم لأصحابها؛ وقد يقال إنّ الأجر الأخروي لا يكون إلا بالجنة وهل يكون بغيرها؟ فالجواب: إنّ القرآن الكريم دقيق في ألفاظه ومعانيه، فليس ثوابُ الأجر العظيم مكافئاً لثواب الجنة، وإنما الجنة محصلة الأجور العظيمة مع التخلّص من محبطات الأعمال، التي سنشير إليها في العنصر الآتي.

ث- التنبيه إلى محيطات الأعمال.

هي

تبشر بعض الآيات بالأجر العظيم وبالنجاة من الخوف والحزن لبعض أعمال البرّ، لكنها - في الوقت ذاته تحذر من محبطات الأعمال كالمن والأذى والرياء وسائر المعاصي؛ كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي

413

الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، 169/ 6.

فخر

الدين الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 504/ 21.

1

2