الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٤٣٤

ويبين القرآن الكريم عدم التكافؤ بين الأعمال الجزئية والأعمال الكلية في الدين، حيث قال تعالى: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [سورة التوبة: 19 - 20]، فالآية تنكر التساوي بين الأعمال المرغبة اليسيرة كالسقاية وعمارة المسجد الحرام و الأعمال الكلية الجامعة لمفاصل الدين وأطرافه، وهي الإيمان والمجاهدة بالمال والنفس والهجرة في الله؛ مبيّنةً أنّ هاته الأخيرة هي الجديرة بالفوز والفلاح. وبمقارنة هذا المنهج القرآني في الإثابة على أعمال الفضائل مع ما ورد في الأحاديث المستقلة

في المسألة

-

المذكورة آنفا - نقف على عظمة النص القرآني ودقته المطلقة، وحكمة الله تعالى في موازين القسط في الجزاء، وتنزهه عن العبث وظلم العباد؛ ونقف أيضا على الحكمة الإلهية من التكفّل بحفظ كتابه نصَّا ولفظا، فلو كانت روايته بالمعنى لما وجدنا هذه الدقة والضبط في بيان أسباب الجنة، وفي ذكر ثواب الفضائل والرغائب.

2. أصول أحاديث الفضائل.

جوز كثير من المحدثين من مختلف المدارس الإسلامية التساهل في شُروط أحاديث الرغائب والفضائل؛ على أساس أنها تحثّ على فعل الخير وتحفّز عليه، فلم يروا داعياً للتشدّد في شروط قبولها على غرار أحاديث العقائد والأحكام، ومن أقوالهم في ذلك ما يأتي: من مدرسة أهل السنة:

عن عبد الرحمن بن مهدي (ت 198 هـ) قال: "إذا روَيْنا عن النبي الله في الحلال والحرام والأحكام شدّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا روَيْنا في فضائل الأعمال والثواب والعقاب والمباحات، والدعوات تساهلنا في "الأسانيد،، فبيّن أنّ المنهج متباين بين أحاديث الأحكام وأحاديث الفضائل، حيث يتشدد في الأولى، ويتسامح

في الثانية.

عن ابن عنينة (ت 199 هـ قال: "لا تَسْمَعُوا مِنْ بَقِيَّةَ مَا كَانَ فِي سُنَّةٍ، وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا كَانَ فِي ثَوَابٍ وَغَيْرِهِ، فنهى عن الأخذ عن أحد الرواة في جانب السنن، وجوّز الأخذ منه في الرغائب ونحوها.

311

محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تح: مصطفى عبد القادر عطا، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1990 م،

666/ 1

2

هو

"بقية بن الوليد بن صائد الحميري الكلاعي (197 هـ): حافظ، من أهل حمص، كان محدث الشام في عصره، ينعت بالكياسة والظرف، له كتاب في الحديث رواه عن شعبة، قيل: فيه غرائب انفرد بها، وفي التبيان: قال أبو مسهر: أحاديث بقية غير نقية"؛ الزركلي، الأعلام، مرجع سابق،

60/ 2

3

الخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، ص 134.

415