الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٣٥عن
عن أحمد بن حنبل (ت 241 هـ) أنه قال: "إذا روينا في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشدّدنا، وإذا روينا في فضائل الأعمال وما لا يصنع حكماً ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد، فأكد مقولة ابن مهدي،
النبي
مشيرا إلى أنّ التساهل راجع إلى عدم تضمّن أحاديث الفضائل حكما شرعيا. وعنه أيضا أنه قال: "الأحاديث الرقاق يُحتمل أن يتساهل فيها حتى يجيء شيء فيه حُكم حكم"، فقيد التساهل في أحاديثِ المواعظ بعدم وجود حكم شرعي فيها.
وشرح ابن تيمية معنى التساهل فقال: "وأحمد إنما قال: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد،
311
ومعناه: أنا نروي في ذلك بالأسانيد وإن لم يكن محدّثوها من الثقات الذين يحتج بهم، فالتساهل في الأسانيد يعني الرواية عمّن هم دون الثقات درجة؛ في الحفظ والضبط والإتقان.
511
وعن أبي زكريا العنبري (ت 344 هـ) 4 قال: "الخبر" إذا ورد لم يحرم حلالاً، ولم يحل حراماً، ولم يوجب حكماً وكان في ترغيب أو ترهيب أو تشديد أو ترخيص وجب الإغماض عنه، والتساهل في رواته"، فهو يوجب غض الطرف والتساهل في الرواة فيما سوى أحاديث الأحكام.
وذكر ابن أبي حاتم (ت 327 هـ) مراتب الرواة فقال: "ومنهم الصدوق الورع المغفّل، الغالب عليه الوهم والخطأ، والسهو والغلط، فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب، والزهد والآداب، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام"،، فجوّز قبول رواية الصدوق المغفّل كثير الوهم والسهو في الترغيب والترهيب دون الأحكام.
وأفرد الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) في كتابه "الكفاية في علم الرواية بابا بعنوان: بَابُ التَّشَدُّدِ فِي أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ، وَالتَّجَوُّزِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ، وذكر فيه أنه: "قَدْ وَرَدَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَمْلُ الأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيم، إِلا عَمَّنْ كَانَ بَرِيئًا مِنَ التُّهْمَةِ، بَعِيدًا مِنَ الْظُّنَّةِ، وَأَمَّا أَحَادِيثُ التَّرْغِيبِ وَالْمَوَاعِظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَتْبُهَا عَنْ سَائِرِ الْمَشَايِخ"، فبين أن التساهل في الرواية والإسناد لغير أحاديث الأحكام قول معتمد لدى العديد من السلف.
وقال ابن الصلاح (ت 643 هـ) في مقدّمته: ويجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوى صفات الله وأحكام
1
2
الخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، ص 134.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 66/ 18.
الخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، ص 134.
هو
يحيى بن محمد أبو زكريا العنبري: "الإمام الثقة المفسّر المحدّث الأديب العلامة؛ الذهبي، سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 533/ 15.
الخطيب البغدادي الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، ص 134.
3
4
5
6
7
عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، تقدمة الجرح والتعديل، مرجع سابق، ص 6. الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، مرجع سابق، ص 133 - 134.
416