الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٣٧قالوا: إذا روينا في الحلال والحرام شدّدنا، وإذا روينا في الفضائل ونحوها تساهلنا، وهكذا حال هذه الأحاديث فلم ير بأسا من التساهل في غير أحاديث الأحكام على نهج أئمة الحديث.
من
1
6
قال ابن حجر الهيتمي (ت 973 هـ): "اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ لأنه إن كان صحيحاً في نفس الأمر فقد أعطي حقه من العمل به، وإلا لم يترتب على العمل به مفسدة تحليل ولا تحريم ولا ضياع لحق الغير"، فعلّل جواز العمل به بعدم ترتب مفسدة شرعية عنه. وقال الصنعاني (ت 1182 هـ): "وأما غير الموضوع كالأحاديث الواهية جوّزوا - أي أئمة الحديث- التساهل فيه وروايته من غير بيان لضعفه، إذا كان وارداً في غير الأحكام، وذلك كالفضائل والقصص والوعظ وسائر فنون الترغيب والترهيب"، فبيّن أن هذا التساهل في غير أحاديث الأحكام هو منهج أئمة أهل الحديث. ويظهر من كثرة هذه الأقوال أن التساهل في الفضائل هو مذهب جمهور أهل الحديث؛ وقد اعترض على هذا المذهب قلّة المحدثين ذهبوا إلى عدم جواز رواية الضعيف في الفضائل والرغائب، ومن ذلك ما قاله مسلم بن الحجاج (ت 261 هـ) في مقدمة صحيحه: "وإنما ألزموا أنفسهم أهل العلم] الكشف عن معايب رواة الحديث، وناقلي الأخبار، وأفتوا بذلك حين سئلوا لما فيه من عظيم الخطر؛ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة، ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبيّن ما فيه لغيره ممن جهل معرفته كان آثما بفعله ذلك، غاشا لعوام المسلمين؛ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار أن يستعملها، أو يستعمل بعضها ولعلّها أو أكثرها أكاذيب لا أصل لها، مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة ولا مقنع وعلّق عليه ابن رجب الحنبلي (ت 795 هـ) بقوله: "وظاهر ما ذكره مسلم في مقدمة كتابه يقتضي أنه لا تُروى أحاديث الأحكام"، فبيّن أن لا وجه للتفرقة بين أحاديث الأحكام وأحاديث
الترغيب والترهيب إلا عمّن تُروى
عنه
الفضائل وغيرها، فكلُّها من مسائل الدين التي ينبغي التحري فيها وأخذها من
من مدرسة الشيعة الإمامية:
الثقات.
40
ظاهرة التساهل في أحاديث الفضائل توسعت أكثر لدى مدرسة الإمامية، وأطلقوا عليها قاعدة التسامح في أدلة السنن، وعرفها مرتضى الأنصاري (1281 هـ) بقوله: "هي عدم اعتبار ما ذكروه من الشروط للعمل
1 ابن حجر العسقلاني، القول المسدّد في الذب عن المسند للإمام أحمد، ط 1، مكتبة ابن تيمية القاهرة، 1401 هـ، ص 11 - 12. نقله: أبو الحسنات اللكنوي، الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، ط 3، دار البشائر، بيروت، 1994 م، ص 42. محمد بن إسماعيل الصنعاني توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، دط، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، دت، ت، 109/ 2 - 111. مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم (المقدمة)، تح: محمد فؤاد عبد الباقي، مرجع سابق، 28/ 1. ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي، تح: نور الدين عتر، ط 1، دار الملاح، دمشق، 1978 م، ص 74.
2
3
4
5
418