الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٤١فيخرج ما يخترع، بحيث لا يكون له أصل أصلاً، الثالث: ألا يعتقد عند العمل به ثبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ما لم يقله"، فذكر من بين الشروط عدم الاعتقاد به؛ والإشكال: ما الذي يضمن ذلك عند رواية الحديث واشتهاره
بين الناس؟. وفضلاً
عن ذلك؛ فقد نص علماء الحديث أنفسهم أنّ من علامات الحديث الموضوع: "الإفراط في الوعد العظيم على الفعل الحقير، والوعيد الشديد على الأمر الصغير"؛ وأثبتوا أنّ هذا مقياس معتبر يُعرف به الحديث الموضوع؛ وواضح جدا أنّ الإثابة بجنة الخلد على أعمال جزئية يسيرة تُعدّ من هذا القبيل.
وقد أبدى القرضاوي تأشفه من عدم تطبيق هذه القواعد النظرية عمليا في الفضائل حيث قال: "ومما يؤسف له أن كثيراً من المحدثين لا يطبقون هذه القواعد عندما يرؤون في الترغيب والترهيب ونحوه، وربّما كان لهم عذر من طبيعة عصرهم، أما عقلية عصرنا فلا تقبل المبالغات ولا تهضمها، وربما تتهم الدين ذاته إذا ألقى عليها مثل هذه الأحاديث، فأشار إلى أنّ لهذه الأحاديث أثرا سلبيا على ثقة المسلمين بدينهم.
وقال محمد الغزالي في بيان أثر تلك الأحاديث: "تكفير السيئات الذي سبقته هاتيك المقدمات الجليلة ظل يتضاءل ويتضاءل، حتى أصبح الرجل المحصور وراء ركام من الخطايا السود يستطيع الإفلات منها بتعويذة يُهمهم بها فمه، وتختلج بها شفتاه دون وعي؛ ونحن لا نستكثر على فضل الله شيئا، ولكننا نحترم أصول الإسلام، ونراعي قوانين الجزاء، ونضع النصوص في مواضعها التي تتلاءم معها، ونحمي حقيقة الدين من فوضى الأفهام القاصرة"، فأشار إلى أنّ فضل الله واسع يؤتيه من يشاء، لكنّه تعالى جعل في كتابه قوانين وسنناً عادلة وصارمة للجزاء، تُحمّل الإنسان مسؤولية عمله، فلا ينبغي تجاوزها لظواهر أحاديث آحاد ظنية. وعلى فرض ثبوت صحة بعض تلك الأحاديث - بعد التحقيق والتحرّي؛ يجب ربطها بكليات الدين وسائر عناصره، قال ابنُ بطّال (ت 449 هـ): "الفضائل الواردة في التسبيح والتحميد ونحو ذلك، إنما هي لأهل الشرف والكمال في الدين والطهارة من الحرام، وغيره فلا يظن ظان أنّ من أدمن الذكر، وأصر على ما شاء من شهواته، وانتهك دين الله وحرماته، أنّه يلتحق بالمطهرين المقدّسين، ويبلغ منازل الكاملين، بكلام أجراه على لسانه معه تقوى ولا عمل صالح، فبيّن أنّ تلك الفضائل لا تنفع ما لم يُتوّج صاحبها بالتقوى والعمل الصالح
ليس
والكف عن محارم الله.
51
1
نقله: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، خاتمة القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع، ط 1، مؤسسة الريان، المدينة المنورة، 2002 م،
ص 472 - 473.
2
3
4
5
السيوطي، تدريب الراوي، مرجع سابق، 326/ 1.
القرضاوي، كيف نتعامل مع السنة النبوية، مرجع سابق، ص 82. محمد الغزالي، تأملات في الدين والحياة، ط 1، دار نهضة. مصر، دت، ص
ابن
حجر
العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 541/ 13.
139
422