الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢قال ابن حجر بعد ما نقل هذا الكلام وأيده -: ويشهد له قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [سورة الجاثية: 21] "،، فبينت الآية أنّهم ليسوا سواء في الدنيا والآخرة.
وذكر أبو العباس القرطبي (ت 656 هـ) أنّ الذكر يختلف ثوابه باختلاف أحوال الذاكرين، حيث قال: "وهذه الأجور العظيمة والعوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحق هذه الكلمات فأحضر معانيها بقلبه، وتافلها بفهمه، واتضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين؛ فإنَّ لم يكن، فإلى علم اليقين وهذا هو الإحسان … كما في الحديث أن تعبد الله كأنك تراه، فإنَّ لم تكن تراه فإنَّه يراك»، ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين كانت أجورهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الأجور، فأوضح أنّ أجر الذكر لا يحصل بمجرد الهمهمة، وإنما بإدراك المعاني واستشعار حقيقتها وجلاء أثرها في السلوك.
ووضح محمد الغزالي ذلك قائلا: "فمن الناس من تكون الكلمات التي يردّدها لسانه صدى عميقا لتأثر بالغ، وقلب مشرق، ونفس أصفى من أن تمرّ بها خواطر السوء، بله أن تفعله، وعندما يكون الذكر رمزاً لليقين المستعلى على الدنيا ومثبطاتها، فهو أخو الجهاد الذي يضحي بالدنيا في سبيل الدين، والأجر المقترن به عندئذٍ لا شطط فيه ولا تجاوز؛ أما أوهام العامة فيما يتصل بالثواب والعقاب، وظنّهم أنّ هذا يرجى بالثمن البخس، أو ذاك يخشى بالأمل القاعد، فخبط لا سند له من دين الله، فالذكر لما يكون مرتبطا بسائر كليات الدين وعناصره يكون له هذا الثواب العالي، لكنه عندما يكون منفصلا عنها فهو مجرد حركات وتمتمات، لا تستحق عظيم الثواب والثناء ومثل ذلك في سائر أعمال الفضائل.
ويقرّر البهبودي من الإمامية أن قاعدة التسامح في أدلة السنن مبتدعة، حيث قال: "هذه القاعدة المصطنعة أعادت حركة الوضع وأكسبته صبغة الشرعية، فهي تبرّر الإبقاء على هذا النوع من الأحاديث
وتداولها.
ويرى بدر العبري -معاصر من الإباضية- أنّ "لروايات فضائل الأعمال آثارا سلبية على الواقع الفكري والاجتماعي عند المسلمين، مثال ذلك فضائل قراءة سور القرآن، فأصبح الناس يهتمون بالقراءة، وتركوا التدبّر والعمل، فغاب القرآن عن واقعنا وحياتنا "، أي جعلت التلفظ به على حساب الفهم والتدبّر والعمل.
1
2
ابن
حجر العسقلاني، فتح الباري، مرجع سابق، 541/ 13.
الإيمان، ح:50. البخاري، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم صحيح
3 أحمد بن عمر
4
5
أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، مرجع سابق، 81/ 22.
محمد الغزالي، تأملات في الدين والحياة، مرجع سابق، ص. ص 141.
نقله: حب
الله
حيدر، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي، مرجع سابق، ص 568.
423