الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٤٣وهكذا استشعر العديد من المفكرين المعاصرين من مختلف المدارس - الأثر السلبي للتساهل في أحاديث الفضائل؛ إذ ترتيب الثواب العظيم على العمل القليل لا شكّ أنّه مفسد للإيمان؛ لأنه يؤدّي إلى اضطراب الفهم، واعتقاد العشوائية وعدم الحكمة لدى الخالق وعمل في تقدير موازين الجزاء، كما يؤدّي إلى تهوين العمل بالشريعة؛ حيث تؤدّي هذه الأحاديث إلى الاعتقاد من غير شعور بسقوط التكاليف والالتزامات، لمجرد أداء إحدى تلك المستحبّات؛ حينما يرى المرء أنّه قد بلغ من الله مثل هذا الثواب الذي لا ثواب بعده، وهو الجنة.
لها؟!
ومن
هنا نتساءل: كيف لأمّة تعد نفسها لدور حضاري وهدائي للبشرية أن تقرّر مثل هذه القواعد وتبرّر مع أن القرآن الكريم رفع همتها عاليا، وحارب أسباب الاتكال والاستكثار والغرور، وبين أن الجنة التي عرضها السماوات والأرض منزلة رفيعة عالية يُسعى لها ويجتهد لنيلها بصدق الإيمان والعمل والطاعة والصبر والجهاد، حيث قال: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [سورة آل عمران: 142]، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [سورة النساء: 122 123]، فبيّن أنّ
استحقاق الجنة ليس بالأماني مع الإصرار على السيئات، وإنما بالفوز في اختبار الإيمان والصبر والجهاد. وفهم طبيعة الجزاء الإلهي يتوقف إضافةً لما ذكرنا على معرفة الله تعالى حق المعرفة؛ وذلك من خلال أسمائه الحسنى كالحكيم والعليم والعظيم والرحيم والعزيز والجبار … الخ، ومن خلال النظام البديع الدقيق الذي بنّه في هذا الكون الفسيح، والنعم العظيمة المسبغة، وتسخير الكون كله للإنسان، والأمانة الثقيلة التي تحملها حين أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.
كما يتوقف أيضا على إدراك حقيقة الحياة الدنيا في القرآن الكريم، وطبيعة الآيات والنذر التي يرسلها الله لعباده تذكيرا وتخويفا، كما يتوقف على حسن التدبّر في آيات اليوم الآخر التي تصف أهوال اليوم العظيم الذي تشيب فيه الولدان ودقة موازين القسط يوم الحساب والنعيم الذي أعِدّ المتقين، والجحيم الذي يتربص بالمجرمين. فهل كل هذه الأمور العظام ذكرت في القرآن عبثاً؟! إنّ هذا يتنافى مع بصائر أولي الألباب الذين وصفهم الله في كتابه بقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارِ﴾ [سورة آل عمران: 190 - 192]؛ فكيف يتحقق تقوى الله وخشيته والخوف من عقابه وندره إذا كانت الجنة تنال بمثل هذه
1
الأعمال اليسيرة؟!.
بدر بن سالم العبري، فضائل رمضان في التراث العُماني -دراسة تحليلية نقدية، المكتبة الشاملة الإباضية، الإصدار الرابع، 2012 م، ص 75.
424