الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٤٤إن البيان القرآني لأسباب دخول الجنة وقوانينه الصارمة هو الذي أنتج خير أمة أخرجت للناس، آمرةً بالمعروف ناهيةً عن المنكر ومؤمنة بالله؛ تلك الأمة التي أحدثت أكبر نهضة اجتماعية وثقافية في العالم أجمع، وحققت انتصاراتٍ وإنجازات عظيمةً في شتى الميادين؛ وما انتكاسُ أمتنا ورجوعها القهقرى إلا بما انتشر فيها من أفكار وتصوّرات تبثُ روح التواكل والكسل، وتقدّم من شأن المجاهدة والعمل، وتجعل الجزاء الإلهي مجرد أنصبة وحظوظ مرتبطة بالقدر أكثر من ارتباطها بالسعي والكسب.
ثالثا: التعامل مع الحديث المستقل في أسباب دخول الجنة.
وفقاً لما سبق بيانه في الفصل السابق من الأحكام العقدية المتعلقة بالحديث المستقل، وما وقفنا عليه آنفا
التعامل مع
من أصول تلك الأحاديث وآثارها في مسألة أسباب دخول الجنة، ومنهج القرآن في ذكر الثواب على أعمال الفضائل؛ نلخص منهج أحاديث الفضائل فيما يأتي: 1. عدم القطع بتلك الروايات وإن وردت في الصحاح، بل ينبغي التوقف عن قبول ظواهرها؛ لأنها موهمة، وهي بطبيعتها أحاديث آحاد ظنّية الثبوت، وبعضها ظنّي الدلالة أيضا، وفي القرآن الكريم مندوحة من بيان أسباب دخول الجنة بيانا محكما ومفصلا.
2. لا يصح إطلاق الحكم بالوضع والكذب على تلك الأحاديث جملةً؛ فمنها ما له أصل من كلام النبي، ولكن روايتها بالمعنى وبترها عن سياقها وملابساتها ربّما أخل ببعض مضامينها، حيث لا يُستبعد أن بعضها جاءَ على سبيل دعاء النبي بالجنة لذوي الفضائل، وليس إخباراً بنَيْلها؛ أو أنّ أصل ورود تلك الأحاديث فيه ربط بين تلك الفضائل مع سائر الشروط الأخرى للجنّة، لكنها نُقلت مبتورة عن السياق. 3. ربط تلك الأحاديث بما ينسجم مع محكمات الكتاب العزيز، حيث تؤخذ أعمال الفضائل مرتبطة بالأطر الكلية للدين، فلا يعتقد الإثابة بالجنة لمجرّدها، بل بما صاحبها من إيمان صادق وعمل صالح. 4. التقيد بآداب الخلاف في المسألة، واحترام الاجتهاد في القبول والردّ؛ مع اتخاذ كتاب الله تعالى حكماً وفيصلاً بين الحق والباطل، ومهيمنا على كل ما سواه.
أخيرا نقول إننا سعينا في هذا الفصل التطبيقي إلى اتباع المنهجية العلمية للعرض التي أوضحناها في الفصل الثالث، والمتمثلة في الدراسة الموضوعية للآيات القرآنية في مسألة أسباب دخول الجنة آية آية، واستخراج الأسباب والشروط القرآنية منها؛ ثم الدراسة الموضوعية للمسألة ذاتها في كتب الصحاح محل التطبيق كتاباً كتاباً، ووقفنا على الأسباب والشروط المستخرجة من الأحاديث الواردة في صميم المسألة، بعد تتبعها حديثا حديثاً؛ ثم صنفناها
1
2
تحرير ذلك بالأدلة والأمثلة يحتاج إلى بحث مستقل.
هذه الدراسة الموضوعية هي محاولة جادّة في استقراء وتتبع جميع النصوص والمعاني في المسألة المذكورة، وذلك في حدود الطاقة البشرية، فقد يفوتنا بعض الآيات والأحاديث، لكنّ ذلك لا يؤثر على مجمل الدراسة.
425