الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٥القول بأن الله تعالى أعطاه ذلك، وأذن له به، واتّباعه في اجتهاده، فعبارة "فاتبعوه عامة في اتباع
النبي
فيما أتى به من عند الله قرآنا أو سنة، أما عبارة واتبعوا النور الذي أنزل معه خاصة في اتباع القرآن. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا لا يتنافى مع كون القرآن تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [سورة النحل: 89]، ولا مع قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [سورة الأنعام: 38]؛ إذ كون القرآن كذلك لا يعني بالضرورة تناوله لكلّ التفاصيل الجزئية، فليس هذا من طبيعة الدستور الذي غالبا ما يأتي بكلياتٍ مجملة، ويحيل بيانها وتفصيلها على غيره من المصادر.
ويُلحظ في أغلب آيات الأمر بطاعته أنها معطوفة على طاعة الله تعالى؛ مما يدل على علو مقام أمره، وأنه بعد الأمر الإلهى مباشرة، وأنه لا يكون إلا تحت أطره وكلياته، لا يحيد عنها ولا يتعارض معها؛ وطاعته حتماً لا تقتصر على حياته فحسب؛ بل مستمرة بعد وفاته باتباع سنته العملية المتوارثة والالتزام بأقواله الثابتة عنه. كما يُلحظ في الجدول أنّ أغلب الآيات الواردة في طاعة النبي مدنية؛ وهذا ينسجم مع خصائص السور المدنية التي يغلب عليها طابع تشريع الأحكام العملية الفقهية، بينما يغلب على السور المكية بيان المعارف الإيمانية (العقيدة)؛ مما يُعطي إشارة عن تركز مهمة النبي في جانب بيان الأحكام أكثر من جانب بيان المعارف الإيمانية التي تكفّل بها القرآن الكريم.
ونجد في القرآن الكريم آيات أخرى تؤكد أنّ الرسول الله أنزل عليه شيء إلى جانب الكتاب اسمه الحكمة'، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: 151] وشبهها في [آل عمران:164] و [الجمعة: 2]، وقوله وا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ} [سورة البقرة:231]، وقوله: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} [سورة النساء: 113]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ [سورة الإسراء: 39]، وقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [سورة الأحزاب: 34]، وبمطابقة هاته الآيات مع المدلول اللغوي للحكمة التي تقتضي "وضع الشيء في
311
موضعه المناسب كما، وكيفا، مكانا وزمانا؛ نستنتج أنها تصدق على سنة النبي المبينة للقرآن بشرط ثبوتها
ولا تخرج في مجال التشريع عن دائرة الوحي؛ لقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [سورة
6
1
2
3
4
محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)، دط، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1990 م، 257/ 9. على فرض كون المقصود بالكتاب في الآية القرآن الكريم، وليس اللوح المحفوظ.
محمد رواس قلعجي و حامد صادق قنيبي معجم لغة الفقهاء، ط 2، دار النفائس، دب، 1988 م، ص 184.
يُنظر: الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 72.
26
26