الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٤٦النجم: 3، 4، ولعدم جواز تقول النبي شيئا على الله تعالى؛ حيث قال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [سورة الحاقة:44 - 46].
من
ويبعد أن يكون المقصود بالحكمة - في ما تقدّم من الآيات أنها القرآن الكريم ذاته؛ لانتفاء التكرار الخالي الفائدة في أسلوب القرآن الكريم، ولاقتضاء العطف المغايرة غالبا، إلا أن يكرّر الشيء نفسه مع اختلاف زاوية النظر إليه كقوله تعالى: وتِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ} [سورة الحجر: 1] فالذات واحدة والصفة مختلفة؛ لكنّ يرجّح معنى كون الحكمة هي السنة هو: بيان النبي كثيرا من مجملات القرآن ككيفية الصلاة والزكاة والصوم والحج … وغيرها، فهي تنزيل للآيات المجملة في مواضعها المقصودة.
ما
وإلى جانب ذلك نجد آيات من القرآن تحذر من عدم إطاعة النبي، حيث قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة النساء: 65]؛ فالآية تنفي الإيمان عمّن لا يحتكم إلى النبي، بل لا يكفي الاحتكام وحده، وإنما ينبغي الرضا والتسليم التام لما حكم به؛ وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة النور: 63]، فوعيد مخالفة لأمر الرسول وهو الفتنة أو العذاب الأليم. ومن هنا فللسنة النبوية الشريفة أهميتها ودورها المعلوم في البيان؛ وحياة نبينا محمد كانت تطبيقاً عملياً لتوجيهات الكتاب العزيز، وكانت سيرته في العبادة والخلق والجهاد والمعاملة قرآنا حيّا يُغيّر الأرض ويصنع حضارة أخرى ولولا هذه السنة لكان القرآن أشبه بالقواعد النظرية التي هي أقرب إلى الخيال فسنة محمد في النواحى الاجتماعية والمدنية والعسكرية، وقبل ذلك في شرائع العبادات والمعاملات جزء لا يتجزأ من الرسالة الخالدة، فهما قرينان لا ينفصلان، كما نص بذلك الكتاب المجيد من اقتران طاعة النبي بطاعة الله سبحانه. ولا بد أن نُشير إلى أمرٍ في غاية الأهمية، ألا وهو التمييز بين حجية السنة وحجية الإخبار بالسنة، فالسنّة بوصفها مبينة للقرآن مجسّدة له في تطبيقات واقعية حياتية تعدّ حجّيتها أمرا معلوما من الدين بالضرورة، لا يماري في ذلك مسلم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر؛ لكن الجدل القائم في هذا الشأن إنما هو في حجية الإخبار بالسنة، أيكون له حكم السنة ذاتها الثابتة في نفس الأمر، أم لا؟، فالفرق بينهما جوهري ومفصلي، وهو ما سنتناوله في الفصول اللاحقة، خاصة فيما يتعلّق بمسائل الإيمان والعقائد.
1
قد يُفهم من
الآية أنها خاصة في الحديث عن القرآن لا مطلق كلام النبي، كما قال الشوكاني: " وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى فَالْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر؛ وَلَوْ سُلّمَ ثمَّ يَدُلُّ عَلَى نَفْي اجْتِهَادِهِ؛ لأنه إِذَا كَانَ مُتَعَبِّدًا بِالِاجْتِهَادِ بِالْوَحْيِ، لَمْ يَكُنْ نُطْقًا عَنِ الهْوَى، بَلْ عَنِ الْوَحْيِ" محمد علي الشوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، تح: أحمد عزو عناية، ط 1، دار الكتاب العربي، دمشق، 1999 م، 219/ 2.
3
2
محمد الغزالي، السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، ط 6، دار الشروق، القاهرة، دت، ص 143.
طه جابر العلواني، إشكالية التعامل مع السنة النبوية، ط 1، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، بيروت، 2014 م، ص 281.
27