الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الشواهد الحديثية المعتبرة في المسألة لدى مختلف المدارس الإسلامية، ثم نخصص المطلب الثالث للأدلة والأدلة

العقلية المقرّرة لقاعدة العرض.

المطلب الأول: التأصيل القرآني للعرض.

يقتضي عرضُ الحديث على القرآن الكريم جعل القرآن مركزا ومحورا أساساً، يقيَّم وفْقَهُ الحديث ويقوم، ومن هنا وجب علينا تأصيل نظرية مركزية القرآن الكريم وهيمنته على ما سواه؛ وذلك من عدة جوانب كالآتي: 1 مكانة القرآن الكريم وخصائصه.

2. حاكمية القرآن الكريم.

3. مبادئ مستفادة من القرآن الكريم في التعامل مع الأخبار.

أولا: مكانة القرآن الكريم وخصائصه

سنتناول في هذا العنصر مكانة القرآن الكريم ومصدره وخصائصه.

1 مكانة القرآن الكريم.

-

القرآن الكريم أعظمُ كتاب وأقدسُ كلام في الوجود، فهو روح الإسلام؛ لأنه كلام الله تعالى المنزل بلفظه على رسول البشرية محمد، والمنقول إلينا بالتواتر، والمعجز لجميع الناس أن يأتوا بمثله؛ فالفرق بينه وبين سائر الكلام كالفرق بين الخالق والمخلوق؛ فهو سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [سورة الشورى: 11]؛ وله مطلق صفات العظمة والكمال، بينما يتصف البشر كغيرهم من المخلوقين بمختلف أوصاف النقص والضعف. ويبين الله تعالى مكانة القرآن الكريم عنده، وقيمته في تقديره الأزلي فيقول: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الزخرف: 43]، قال الرازي (ت 606 هـ): كونه" عليًّا؛ والمعنى كونه عاليا عن وجوه الفساد والبطلان وقيل: المراد كونه عاليًا على جميع الكتب؛ بسبب كونه معجزا باقيا على وجه الدهر"، وكلا المعنيين مناسبان؛ فالقرآن رفيعُ الشأن وعزيز أن يتطرّق إليه الباطل، وهو أيضا كتاب مجيد، جعله الله معجزةً وحجّةً باقية؛

ومهيمناً على جميع ما سواه. ويضرب الله وعمل أمثالاً لبيان عظمة كتابه ومكانته فيقول: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلَّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا، أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [سورة الرعد:31]، ومعناه: "لو كان من شأن قُرآنٍ أو كتابٍ أن تُسير به الجبال أو تقطع به الأرض أو يكلَّم به الموتى لكان هذا القرآن؛ وذلك لما يمتاز به من الخصائص والمؤثرات ما تتمّ معه هذه الخوارق والمعجزات، إلا أنه جاء لخطاب المكلّفين الأحياء … ، ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وانتفعت به أكثر من تسيير

1 الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 618/ 27.

45

15