الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٦٥

1

2

الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، بل أبعد أثراً في شكل الأرض ذاته؛ فكم غيَّر الإسلام والمسلمون من وجه الأرض، إلى جانب ما غيَّروا من وجه التاريخ بهذا الكتاب"، ففي الآية تصوير بليغ لتأثير القرآن العظيم في النفوس، وتحقيقه للهداية الربانية في القلوب، ما لا يبلغه أي كتاب غيره.

ويقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الحشر: 21]، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ فِي الْجَبَلِ عَقْلَ كَمَا جُعِلَ فِيكُمْ، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَخَشَعَ وَحَضَعَ وَتَشَقَّقَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه، فهذه الآية تؤكد عظمة القرآن وقوة تأثيره وهدايته، حتى لو كانت الجبالُ عاقلةً لخشعت وانفطرت لمعانيه.

وللتعمق أكثر في حقيقة القرآن الكريم لا بد من معرفة مصدره وإدراك عظمته وقدره.

2 - معرفة مصدر القرآن الكريم.

تتوقف معرفة مكانة القرآن العظيم على معرفة مصدره وهو الله تعالى، بإدراك علو شأنه ومقامه، وذلك من خلال النظر والتفكر في آياته وآلائه، ونعمائه والتأمل في قدرته وحكمته واستشعار أسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ إذ من المعهود أنه بقدر معرفة قدر المؤلّف يكبر الكتاب في عين قارئه؛ فكذلكم الشأن بالنسبة إلى القرآن الكريم، ولله المثل الأعلى.

لقد وصف الله نفسه في القرآن الكريم من خلال ما يأتي:

آلاء الله ونعمه حيث يقول: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية: 13]، فجميع ما في السموات من أجرام ونجوم وكواكب، وسحاب ورياح وهواء، وفي الأرض من ماء ومعادن ونار، وزرع وأشجار وثمار وأنعام وخيرات … ؛ كلها من خلق الله تعالى، وقد سخرها جميعا لخدمة الإنسان؛ لتوفّر له حاجاته ومعايشه، وكل ما يرغب فيه من منافع الحياة الحاجية والضرورية والكمالية، وفي ذلك دلائل جلية على قدرة الله وعظمته وإكرامه. ويقول أيضا: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [سورة النحل: 53]، فكل ما يحيط بنا من أي نعمة كانت؛ في الأنفس والأهل والأموال والكون … ظاهرة كانت أو باطنة؛ كلها من قبل ربنا المنعم الكريم. قدرة الله وحكمته أخبر الله تعالى أنّه خلق الخلق؛ من السماوات السبع والأرض ومن فيها وما بينهما،

وأنزل الأمر، وهو الشرائع والأحكام الدينية التي أوحاها إلى رسله، وكذا الأوامر الكونية والقدرية التي يدبَّر بها الخلق؛ كل ذلك لأجل أن يعرفه العباد ويعلموا قدرته وهيمنته على ما في الوجود؛ فيخضعوا لكلامه.

سيد قطب في ظلال القرآن، دط دار الشروق القاهرة، دت، 2061/ 4.

الرازي، التفسير الكبير، مرجع سابق، 512/ 29.

46

46