الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦٦- سعة علمه وإحاطته: لقد ذكر الله تعالى آياتٍ كثيرة جدا تبيّن تحلياتِ اسم الله العليم، منها أنه تعالى
يعلم الجهر وما يخفى، ويعلم ما توسوس به نفس الإنسان، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه يعلم ما يلج في الأرض من مطر وبذر وكائنات مجهرية دقيقة، وما يخرج منها من أنواع النباتات وأصناف الحشرات، والمعادن والثروات، وما ينزل من السماء من الأشياء والأرزاق والأقدار، وما يعرج فيها من الملائكة والأرواح وغير ذلك، حيث يقول تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الأنعام: 59]، وهذه الآية ومثيلاتها في القرآن الكريم تبين لنا عظمة مصدر هذا الكتاب الكريم وعلمه أعظم بيان.
إن استحضار آلاء الله ونعمه وقدرته وعظمته الكونية، وحكمته وعلمه الواسع، مع سائر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، يجعلنا ننظر إلى كتابه الكريم نظرة خاصة متميّزة فريدة من نوعها من بين سائر الكتب، ونتعامل معه معاملة خاصة؛ إنه كتاب الخالق الرازق، من بيده ملكوت كل شيء، ومن بيده الأمر كله، وإليه تُرجَع الأمور .... فمن هنا ندرك مكانة القرآن الكريم وحاكميته المستمدة من هيمنة الله و وجبروته وسلطانه المطلق. 3 - خصائص القرآن الكريم.
يقتضي تأصيل محورية القرآن الكريم ومركزيته البحث عن أهم خصائصه التي أهلته لنيل ذلك الدور، وأعطته هاته المكانة؛ حيث نجد القرآن الكريم يتميّز عن غيره من الكتب الأخرى بجملة من الخصائص والمميزات، تجعل المقارنة بينه وبين غيره لا تصح؛ بسبب البون الهائل بينهما، وقد وصفه منزله وكل بـ القول الثقيل، في قوله: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً [سورة المزمل: 5]؛ لثقل قدره وعظم شأنه، ومن بين خصائصه ومميزاته ما يأتي: أ- القرآن الكريم مصدر الهداية يخاطب الله تعالى عقل الإنسان بخطاب هدائي بليغ؛ إذ يُخيّره بين ابتغائه للهداية من مصدرها -وهو الله تعالى- أو من البشر الذين هم أصلا محتاجون لهداية الله، فيقول عز من قائل: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ، قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ. أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى؛ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ. وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة يونس: 35 - 37]، فالآيات الكريمات توجّه السؤال للإنسان في اختيار أهدى السبل؛ بين الله تعالى الذي هو مصدر الهداية، أو الشركاء؛ أي الوسائط، الذين هم أصلا محتاجون إلى هداية الله؟!
فالنتيجة التي يدركها كل لبيب، والتي تقرّرها هاته الآيات أنّ الذي يهدي إلى الحق هو الأولى بالاتباع. وقد بين سبحانه صدق كتابه الذي هو ينبوع هدايته وموطن تجليها في آياتٍ عديدة كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [سورة الإسراء: 9]، وقوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة:2]، وقوله: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ
47