الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٦٨

هذه المعجزة وبقائها سيكون صاحبها أكثر أتباعًا يوم القيامة، وهذا لأنّ الله سبحانه أراد أن يُقيم الدليل على صدق نبوته من الرسالة ذاتها التي بُعث بها؛ لتقوم حجّتها على الدهر، ولو كانت معجزته ماديةً كمعجزات النبيين من قبله لأتى عليها الدهر كما أتى على ما قبلها وعادت نسيا منسيا، وإذا كان الأمر كذلك؛ أفلا يكون هذا الكتاب المعجز جديرًا باستحقاق دور المركزية ومحور الحاكمية والهيمنة على ما سواه!. ج القرآن تبيان لكل شيء.

وصف الله تعالى كتابه المبين بقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة النحل: 89]، فمن أوصافه أنه: تبيان وهدى ورحمة وبشرى.

قال الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير كونه تبيانا لكل شيء: " كلّ شيء يفيد العموم؛ إلا أنه عموم عُرفي في دائرة ما لمثله تجيء الأديان والشّرائع؛ من إصلاح النفوس وإكمال الأخلاق، وتقويم المجتمع المدني وتبين الحقوق، وما تتوقف عليه الدعوة من الاستدلال على الوحدانية وصدق الرسول … وفي خلال ذلك كله أسرار ونكت من أصول العلوم والمعارف صالحة لأن تكون بياناً لكل شيء على وجه العموم الحقيقي، إن سلك في بيانها طريقُ التفصيل واستنير فيها بما بيّن الرسول الله وما قفاه به أصحابه وعلماء أمته" فميز بين

نوعين لبيان القرآن الكريم:

211

الأول: بيان تفصيل؛ وهذا بشأن أمور الدين كالمعارف الإيمانية والغيب والقصص وأصول الأحكام والشرائع، والثاني: بيان إرشاد وتوجيه إلى المظانّ؛ وهذا بشأن جميع العلوم والمعارف الإنسانية؛ فقد أرشد القرآن الكريم إلى مصادرها ومظاتها بإشارات لطيفة مقتضبة تفيد الباحث المسترشد، وذلك كتوجيهه إيانا بالرجوع إلى لمعرفة بيان الأحكام المجملة في الكتاب؛ من تفاصيل العبادات والمعاملات، وغيرها، والرجوع إلى الراسخين

النبي

3

في العلم في أمور الاجتهاد والاستنباط، وإلى أولي الأمر في قضايا الأمن والخوف، وأمرنا بالسير في الأرض وإعمال العقل والنظر في الآفاق والأنفس، لاكتشاف علوم الكون والمادة وأسرار الحياة وتسخيرها لمنفعة الإنسان وسدّ حاجاته.

ح القرآن الكريم الحق المطلق.

1 أحمد بن حمد الخليلي، جواهر التفسير أنوار من بيان التنزيل، ط 1، مكتبة الاستقامة سلطنة عمان، 1984 م، 38/ 1. 2 محمد الطاهر ابن عاشور، التحرير والتنوير في تفسير القرآن الكريم، دط، الدار التونسية، تونس، 1984 م، 253/ 14. بالنسبة للتوجيه إلى النبي فكما في الآيتين: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] و وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: 158]، وأما إلى العلماء ففي الآية: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]، وأما إلى أولي الأمر ففي قوله: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء: 83] وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء: 59]، ووجه إلى سائر العلوم بآيات التفكر والنظر والسير في

3

الأرض.

49