الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٦٩القرآن الكريم أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض، الذي لا تخفى عنه خافية؛ فلا ريب أنه الحق
المطلق، الذي لا يتطرق إليه شيء من الخطأ والباطل بأي حال من الأحوال، فكلُّ ما فيه صواب وحق لا يحتمل الشك والريب، وهو في غاية الضبط والإحكام؛ ولذا وصفه الله بقوله: وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [سورة فاطر:31]، فأتى للباطل أن يتسلّل إلى هذا الكتاب، وهو صادر من الحق جل شأنه، وهو المتكفّل بحفظه؛ ولذا كان حريّا بأن يكون معيارا يُعرض عليه ما سواه، ويُقيم في ضوئه ويُقوَّم. خ القرآن فرقان وميزان.
ستمي
الله تعالى كتابه بالفرقان؛ حيث قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [سورة الفرقان: 1]، كما قَرَنَه بالميزان فقال: اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [سورة الشورى: 17]، وقال: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [سورة الحديد: 25]،
6
فالفرقان هو ما نعرف به الحق فنَمِيزه من الباطل، والميزان هو ما نعرف به الحقوق في الأحكام فنعدل بين الناس وفي هذين الاسمين دلالة بينة على أنّ الكتاب إنما أُنزل ليقر في حياة الناس ميزاناً ثابتاً ترجع إليه البشرية لتقويم الأفكار والعقائد، والأعمال والأحداث، والأشياء والرجال … الخ؛ وتُقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب الأهواء واختلاف الأمزجة، وتصادم المصالح والمنافع ميزاناً لا يحابي أحداً لأنه يزن بالحق الإلهي للجميع، ولا يحيف على أحد؛ لأن الله تعالى هو ربّ الجميع. أخيرا يمكن أن القول إنّ كل هذه الخصائص والصفات التي يتسم بها القرآن الكريم وهي: الهدى والحفظ والمعجزة والدستور والبيان والحق والميزان والفرقان ونحوها تجعل القرآن الكريم حَريّا بأن ينال هذه الدرجة العظمى والمرتبة العليا، وجديراً بأن يُتوج بوسام الحاكمية والهيمنة على جميع ما سواه، كما أنّ الله سبحانه قاهر مهيمن على كل ما عداه.
ثانيا: حاكمية القرآن الكريم.
ذكرنا آنفا أن خصائص القرآن الكريم تقتضي منحه دور المرجعية والحاكمية ونظرا لأهمية هذه الخاصية وارتباطها الوثيق بموضوع البحث نُفرد لها فرعا مستقلا لبيان مستندها من القرآن الكريم ذاته الذي أثبتها وأكدها بأوجه عديدة، نذكر منها ثلاثة:
الوجه الأول: هيمنة القرآن الكريم على جميع الكتب والمعارف.
النظام الكوني يقوم على مبدأ الحركة، والمركز وأنّ لجميع الخلق مصدرا يصدر منه ويرجع إليه، ففكرة المركز والمرجع متجذرة في النظام الكوني؛ والله لا هو مبدع الوجود، والقائم على أمره، وهو سبحانه سنّ فيه من السنن
50
50
محمد رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق، 133/ 3.
1