الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٠والقوانين ما ينظمه، ويحكم جزئياته وأفراده؛ فكل شيء يرجع إلى الله تبارك وتعالى، من حيث المصدر والوجود والمصير، يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [سورة آل عمران: 109]، فكل شيء مرده إلى الله، وهو المرجع في جميع الأمور وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُله (هود: 123]، ومن ثم فإنَّ كلامه القرآن الكريم هو الدستور الملزم والمرجع الأساس، فبما أن الله تعالى مصدر إيجاد جميع الخلائق، ومصيرها متعلق به جميعا، فإن كلامه لا ريب- هو الدستور المركزي الذي يحكم الوجود، ويحدّد نظامه ومآله.
ويبين الله تعالى حاكمية كتابه ومرجعيته بأسلوب صريح في عديد الآيات القرآنية، نذكر بضعاً منها: الآية الأولى؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النِّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة البقرة: 113]، فعندما تجاهلت بعضُ الأمم السابقة منهج الاحتكام إلى الكتاب انحرفت مسيرتها، وأخذت تغرق في خصومة وجدل عقيم، أدّى إلى إقدام كل طرف على مصادرة حق الآخر في الانتماء إلى الفكر المشترك بينهم، حيث ذكر الله تعالى أنهم مع ذلك كانوا يَتْلُونَ الْكِتَابَ؛ لينبه بذلك إلى أنه كان بإمكانهم الخروج من الخلاف بالعودة إلى كتاب ربِّهم الذي هو محل اعتبارهم جميعاً، ولكنهم بتجاهله صاروا مثلاً للذين لا يعلمون، فقالوا مثل قولهم، فالآية تنعى على الأمم اختلافهم وتفرقهم مع وجود كتاب الله الحكم الفصل فيما بينهم، ثم لا يحتكمون ولا يخضعون له.
الآية الثانية؛ قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة: 213]، تقرّر هذه الآية سنة الاختلاف التي اقتضتها الحكمة الإلهية في الناس ابتلاء واختبارا، وتبيّن أنه تعالى قد أنزل الشفاء لهذا الداء؛ بأن جعل كتابه ملجاً وفيصلا هاديا للحائرين؛ فهو يتضمّن ميزاناً ثابتاً يفيء إليه المختلفون وحكما عدلا يؤوب إليه المختصمون؛ وهو قول فصل ينتهي عنده الجدل، ويثوب الجميع منه إلى اليقين، فلا ميزان أدق منه، ولا حكم أعدلُ منه، ولا قول أبين وقد رأينا في عنصر مصادر الحديث الصحيح أن المسلمين وإن كانوا متفقين على أن مصدر السنة هو لكنهم ليسوا متفقين على كتاب واحد للحديث الصحيح، بل لكل مدرسة مظاتها المعتبرة لديها دون
النبي
منه.
1
2
3
عبد الجبار سعيد، الإطار المرجعي لعلم نقد متن الحديث النبوي الشريف"، مجلة إسلامية المعرفة، ع 39، مرجع سابق، ص 51. المرتضى بن زيد الْمَحَطَّورِي العرض على القرآن www.almahatwary.org، 2015/02/01 م.
سيد قطب في ظلال القرآن مرجع سابق، 216/ 1.
51