الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧١غيرها؛ وبالرغم من أنّ هناك مجالاً رحبا للاتفاق في مضامين كثير من الأحاديث النبوية، إلا أنهم يختلفون في مضامين أخرى كثيرة؛ ولذا ليس لهم بد من تحاكمهم جميعا إلى كتاب الله تعالى، الدستور المشترك بينهم استجابة لقوله: {وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ؛ وذلك بمعايرة مروياتهم كلها في ضوء حقائقه ومحكماته، قال عبد الله العزّي-من الزيدية -: "ومن" جملة المختلف فيه: الروايات المخالفة للقرآن؛ حيث يقبلها قوم ويردّها آخرون؛ فالعرض على كتاب الله هو الذي يكشف عن صحتها، فبيّن أن المخرج من الاختلاف فيها هو محاكمتها إلى الكتاب لتحديد الموقف منها. الآية الثالثة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة آل عمران: 23]، ففي هذه الآية ينعى الله تعالى على أولئك الذين "أُعطوا حظاً من الكتاب والعلم، يُدعون إلى التحاكم إلى كتاب الله وهو القرآن؛ ليفصل الحق من الباطل فيما شجر بينهم من خلاف فلا يسارعون إلى إجابة الداعي، بل يُعرض عنه فريق منهم"؛ فالله تعالى ينكر عليهم عدم تحكيمهم للقرآن الكريم في قضايا النزاع والاختلاف؛ وهذا النعي يصدق أيضا بوضوح على رفض محاكمة الحديث المختلف فيه إلى كتاب الله العزيز ليفصل بشأنه.
الآية الرابعة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [سورة النساء: 105]، قال الطبري (ت 310 هـ) في تفسير الآية: "إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْكِتَابَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ لِتَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَفْصِلَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ يَعْنِي: بِمَا أَنْزَلَ
311
اللَّهُ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِهِ، فالله تعالى يبيّن أن النبيل نفسه مأمور باتباع الكتاب؛ ومن ثُمَّ فلا يصح أن يصدر عنه ما يخالفه، وقد أُمر النبي الله أن ينفي ذلك عن نفسه حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة يونس: 15]، فدلّت الآية على استحالة أن يبلغ النبي ما فيه مخالفة لكتاب الله تعالى.
الآية الخامسة: قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ [سورة المائدة:48]، تدلّ هاته الآية على أنّ أي اختلاف يجب أن يُردّ إلى كتاب الله ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصوّر الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه في شأن
1
2
3
عبد الله بن حمود العزي، علوم الحديث عند الزيدية والمحدثين، مرجع سابق، ص 50. لجنة علماء الأزهر، تفسير المنتخب، ط 18، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر،
من
74/ 11995
محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تح: عبد الله التركي، ط 1، دار هجر، 2001 م، 457/ 7.
52
52