الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٧٢الحياة كله هو هذا الكتاب، ولا قيمة لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا الكتاب العظيم، وإذا كان القرآن الكريم قد هيمن على الكتب السابقة المحرّفة فمناسب جدا أن يكون مهيمنا أيضا على ما بلغنا من الروايات الحديثية؛ لكونها هي الأخرى تعرّضت للوضع والدّس والتحريف، وقد بذل علماء الحديث في كل مدرسة جهودا في تنقيتها وجزدِ الصحيح منها، إلا أنها تبقى مناهج بشرية غير مقدسة. الآية السادسة: قال تعالى على لسان نبيه: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة الأنعام: 114 - 115]، تتضمن هذه الآية سؤالا إنكاريا مثيرا فحواه قل لهم -أيها النبي هذا حكمُ الله بالحقِّ بيّنته الآيات الساطعة، فلا يسوغ أن أطلب حكماً غيره يفصل بيني وبينكم، وقد حَكَمَ سبحانه فأنزل الكتاب الكريم حُجَّةً لي عليكم؛ إذن حتى مأمور بالاحتكام إلى الله تعالى وكتابه المفصل المبين؛ كيف لا وهو رسوله الخاضع المستجيب وعبده الطائع المنيب، وإذا كان الأمر كذلك وهو في حياته، فكيف الأمر بالمرويات التي دونت بعد وفاته بفترة من الزمن؟!؛ أليس تحكيمها إلى كتاب الله أؤكد وأولى!.
النبي
311
الآية السابعة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [سورة الشورى: 10]؛ علّق المرتضى المحطوري على الآية قائلا: "وفي ذلك دلالة كافية على أن القرآن الكريم أمان لهذه الأمة من الانحراف والتفرّق إن اجتمعت عليه وعملت وفق توجيهاته، وهذا لا يعني إلغاء دور أي مصدر من مصادر الهداية، وإنما المراد أن نجعل القرآن أصل الأصول ومرجع المراجع، فالآية صريحة في وجوب الاحتكام إلى الله تعالى عند الاختلاف؛ أي إلى كتابه عل كما قال تعالى: وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [سورة النحل: 64]، أما الآيات التي فيها الأمر بالردّ إلى الله والرسول عند التنازع فسيأتي ذكرها.
الثامنة آيات المعاتبة أي الآيات التي يعاتب فيها الله سبحانه نبيَّه الكريم في بعض اجتهاداته، كما في قوله تعالى: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُفْحِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [سورة الأنفال:67 - 68]، وقوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [سورة التوبة: 43]، وقوله: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ
1
سيد قطب، في ظلال القرآن، مرجع سابق، 902/ 2.
2 مجموعة من علماء الأزهر، تفسير المنتخب، مرجع سابق، 191/ 1.
المرتضى المحطوري، العرض على القرآن www.almahatwary.org، 2015/02/01 م.
53