الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٧٣

1

أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [سورة التوبة: 113]، وقصة سورة التحريم، وقصة عبس، ونحو ذلك من الآيات، التي تدلّ على أن القرآن المجيد يستدرك على النبي في بعض تطبيقاته، ويعقب عليه مصوّباً ومعاتبا أحيانا؛ مما يبرز بجلاء الهيمنة المطلقة لكتاب الله تعالى، وأنه حاكم وموجّه لأفعال النبي الله وأقواله فلا يُقَرُّ على خطئه في اجتهاده؛ وإذا كان هذا التوجيه والتصويب الإلهي تجاه الفعل النبوي الثابت قطعا؛ أفليس من باب أولى أن يكون كتاب الله تعالى مهيمناً وحاكماً ومصوّباً لما تم تدوينه من أحاديث في كتب الحديث، وإن كانت من الصحاح؟!.

الوجه الثاني: وجوب الإعراض عمّا يعارض القرآن الكريم. يدعو الله تعالى الإنسان إلى التخلّص من كافة أشكال الوصايات البشرية عليه إذا كانت مخالفة للنهج الإلهي القويم، وقد جعل كتابه الحكيم الدستور الأول الذي يحاكم عليه جميع ما سواه؛ تأكيداً لهيمنته وحاكميته، ويمثل هذا منتهى الغاية في تحرير الإنسان من عبوديته لما سوى الله تعالى وإسلام وجهه له تعالى بصفاء وإخلاص، حيث يقول لنبيه - - ولنا بالتبع -: وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (سورة الكهف: 27]؛ أي لا يقدر أحدٌ على تبديلها وتغييرها … وَلَنْ تَحِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) ملتجاً تعدلُ إليه إن هممت بذلك"، فالآية تنفي إمكانية تبديل كلمات القرآن، أو أن يكون هناك ملتجأ للنبي صلى الله عليه وسلم غير كتاب الله؛ أي مما يخالف هديه. ويقول تعالى في آية أخرى: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 2 - 3]؛ قال الجصاص (ت 370 هـ) في تفسير الآية: "لا يجوز الاعتراض على حكم القرآن بأخبار الأحاد، وَقَوْلُهُ: وَاتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ» دليل على وجوب اتباع القرآن في كل حال، وأنه غير جائز الاعتراض على حكمه بأخبار الآحاد؛ لأن الأمر باتباعه قد ثبت بنص التنزيل، وقبول خبر الواحد غير ثابت بنص التنزيل، فغير جائز تركه؛ لأنّ لزوم اتباع القرآن قد ثبت من طريق يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب العمل فلا يجوز تركه ولا الاعتراض به عليه، وهذا يدلّ على صحة قول أصحابنا في أن قول من خالف القرآن في أخبار الآحاد غير مقبول"2، فبيّن أن الآية دليل على تقديم القرآن على خبر الآحاد، وأنّ الحديث المخالف للقرآن لا يجوز العمل به؛ لأنه ثبت من طريق يفيد الظن بينما القرآن الكريم ثابت باليقين.

ولذا يؤكد الحق سبحانه على وجوب اتباع سبيله والإعراض عما عداه من السبل المخالفة له حيث يقول: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة الأنعام: 153]، فاتباعه والتمسك به عاصم من التفرق والاختلاف.

الزمخشري، الكشاف، مرجع سابق، 716/ 2.

2 أحمد بن علي أبو بكر الجصاص، أحكام القرآن تح محمد قمحاوي، ط 1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1992 م، 201/ 4.

54

52