الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن (المنهج والتطبيق) محمد بن قاسم شقبقب

الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن

الجزء ١ · صفحة ٧٤

الوجه الثالث: معيار الاختلاف والتناقض.

يمكن أن نَعُد معيار الاختلاف والتناقض من أهم المرتكزات القرآنية التي تؤصل لقاعدة عرض الحديث على القرآن الكريم، حيث يبين الله تعالى أن وحدة مصدر الوحي الإلهي تجعل من المحال وقوع التناقض والاختلاف فيه، وتقرّر أن كل ما فيه الاختلاف والتعارض الحقيقي ليس من وحي الله تعالى في شيء، حيث يقول: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [سورة النساء: 82].

مع

وبهذه الآية حق أن يُتَّخذ معيار العرض على القرآن معيارا ربّانيا معتبرا في عملية فرز الحديث النبوي، لتمييز كل ما هو ربّاني أصيل عن ما هو بشري دخيل؛ فما نُسب إلى الرسول من أحاديث وكان متناسقا منسجما كليات القرآن وحقائقه فهو من كلام النبي الذي لا ينطق عن الهوى؛ أما ما كان مفارقا لمضامينه ومخالفا لصريح نصوصه فليس من وحي الله تعالى ولا من كلام النبي الا الله ولأن الميزان الإلهي ينص على أن ما هو من عند، يقع فيه التعارض والتضارب بين بعضه البعض، وهو ما ينزّه عنه وحى الله تعالى وكلام نبيه الأمين. الوجه الرابع: امتنانُ الله تعالى على النبي وأمره باتباعه.

غير

الله

يمن الله وعل على نبيه محمد الله ويبين فضله عليه، وأنه هو مصدر علمه وحكمته في آيات كثيرة من كتابه، منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [سورة النساء: 113]، وقوله: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [سورة هود: 49]، وقوله: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} [سورة القصص: 86]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة الشورى: 52]، فهذه الآيات تبين أن مصدر علم النبي وحكمته الا الله وهو الله تعالى فضلا منه وكرماً ورحمة بعباده.

وتبين الآيات أن وظيفة الأنبياء ودورهم يتمثل في تبليغ الرسالة وتبيينها، وكذا تجسيدها عمليا في واقع الحياة، وأنه ليس من حق أحدٍ أن يرفعهم إلى مقام العبودية والربوبية حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: 79 - 80]؛ لأن ذلك المقام يختص به الله تعالى وحده، فلا يصل إليه نبي مرسل

ولا ملك مقرب.

وتؤكد الآيات أنّ الرسول له نفسه ملزم باتباع ما يوحى إليه، وعدم تقوّل شيء من عنده، حيث يقول تعالى: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [سورة الأحقاف: 9]، ويقول: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ

55