الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨١3. الباطل؛ قال تعالى: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ} [سورة النحل: 72]، وقال: أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [سورة العنكبوت: 67]، فأنكر عليهم الإيمان بالباطل، وهو كل ما خالف الحق، وخالف القرآن؛ لأن الحق من أسماء القرآن الكريم وأوصافه. 4. الظنّ في مسائل الإيمان؛ قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتَّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يقينا [سورة النساء: 157]، فالآية تعيب على أهل الكتاب اتباعهم للظن في اعتقادهم بمقتل المسيح وصلبه؛ والظنّ كما عرفه الراغب الأصفهاني (502 هـ) - هو: "اسم لما يحصل عن أمارة، ومتى قويت أدّت إلى العلم،
1،
ومتى ضعفت جدا لم يتجاوز حد التوهم، فهو ما يتأرجح بين العلم والوهم ويقوى ويضعف بحسب القرائن. وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام: 116]، تدعو الآية إلى عدم اعتبار الأكثرية معيارا للحق والصواب؛ لأنهم في الغالب يتبعون الظن.
وقال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام: 148]، فالآية تنعى على المشركين اتباعهم للظنّ في عقيدة الجبر، وتطالبهم بالحجّة على
زعمهم.
وقال: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ. وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ. وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة يونس:35 - 37]، قال محمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير الآية: "وفي الآية دليل على أنه لا يُكتفى بالظن في العقائد، فخصص مجال العقائد من غيره؛ لأن الآية في سياق معاتبة المشركين على اتباعهم الظنّ في مسائل الإيمان، وترك من هو أولى بالاتباع وهو الله تعالى، الذي هو مصدر الهداية، وتبيّن أنّ أكثر الناس يتبعون الظن، وأنه لا ينفع شيئا في مقابل الحق اليقيني، وتؤكد أن القرآن الكريم هو القول الحق من الله تعالى.
211
1 الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مرجع سابق، ص 539.
2
محمد بن
أحمد القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، مرجع سابق، 343/ 8.
62
29