الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٦7. رُوي عن الحارث أنه قال مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث، فدخلت على علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى أن الناس قد خاضوا في الأحاديث، قال: وقد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " «ألا إنها ستكون فتنة»، فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هذا الخبر يقرّر أن الخوض في الأحاديث والاختلاف فيها قد ظهر منذ عهد علي بن أبي طالب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تنبأ بذلك قبل وقوعه، فوصف الدواء له وهو الرجوع إلى كتاب الله والاهتداء به، بجعله معياراً وفرقاناً بين الحق والباطل من هاته الأحاديث.
فهذه أهم أحاديث العرض الواردة في مصادرِ مدرسة أهل السنة، ويظهر من تخريجها أن محدثي المدرسة اتفقوا على تضعيفها بشتى طرقها بالطعن في أسانيدها، ويلخص هذا عبد الغني عبد الخالق (ت 1983 م) بقوله: أحاديث العرض على كتاب الله فكلها ضعيفة لا يصح التمسك بها؛ فمنها ما هو منقطع، ومنها ما بعض رواته غير ثقة أو مجهول، ومنها ما جمع بينهما"، وهذا يجرنا إلى البحث عن أسباب تضعيف هذا الحديث لدى أهل السنة.
"أما
عن
أ-
مناقشة تضعيف حديث العرض.
تعدد طرق حديث العرض مع ضعفها يجعلنا في حاجةٍ للبحث عن أسباب تضعيف محدثي مدرسة أهل
السنة لحديث العرض، بل وحكم بعضهم عليه بالوضع، ويمكن تصنيف تلك الأسباب إلى صنفين: من جهة السند: أي أنّ هذا الحديث لم يبلغهم بطرق وأسانيد سليمة، وإنما بلغهم في بعض الروايات عن غير الثقات وأخرى عن مجهولين لديهم، أو عن مخالفيهم، ومن نصوصهم ما يأتي: الشافعي (ت 204 هـ) سُئل عن حديث: «ما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فأنا قلته، وما أقله»، فقال: "ما روى هذا أحد يثبت حديثه في شيء صغر ولا كبر، فيقال لنا: قد ثبتم حديث من روى هذا في شيء، وهذه أيضا رواية منقطعة عن رجل مجهول، ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء"، فهو ينفي أن يروي هذا الحديث أحد ممن يثبت حديثه، فهي غير مقبولة لديه. ابنُ عبد البر (ت 463 هـ) نقل أن "عبد الرحمن بن مهدي (ت 198 هـ) قال: الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعني ما رُوي عنه أنه قال: «ما أتاكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته،
خالفه
1
فلم
الترمذي، سنن الترمذي الجامع الصحيح، الذبائح، أبواب فضائل القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في فضل القرآن، ح:2908؛ قال الترمذي فيه: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال".
2
عبد الغني عبد الخالق، حجّية السنة، مرجع سابق، ص 474.
67
محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، مرجع سابق، ص 137.
3