الضوابط العلمية لعرض الحديث الصحيح على القرآن
الجزء ١ · صفحة ٨٨1،
ابن حجر قال: "إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال "، فهو يقرّر أن الطرق التي جاء بها حديث العرض لم تسلم من طعن علماء الحديث.
رأي محدّثي الأحناف في حديث العرض:
يظهر أن لدى محدثي الحنفية رأيا يختلف عن سائر محدّثي مدرسة أهل السنة، فكثير منهم يعتد بصحة حديث العرض ويستشهد، به وهذه جملة من نصوصهم
احتج أبو يوسف الأنصاري (ت 182 هـ) بحديث العرض في معرض رده على سير الأوزاعي (ت 157 هـ) ومما قاله: فعليك من الحديث بما تعرف العامة وإياك والشاذ منه؛ فإنّه حدثنا ابن أبي كريمة عن أبي جعفر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دعا اليهود فسألهم، فحدّثوه حتى كذبوا على عيسى الل، فصعد النبي المنبر، فخطب الناس، فقال: «إن الحديث سيفشو عني؛ فما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس مني"، فاعتبر الحديث المخالف للقرآن الكريم شاذا ينبغي تركه، ويظهر من احتجاجه بحديث العرض المذكور أنه مقبول ومعتبر عنده؛ لأنه ذكره في مورد الاحتجاج به، واستدلال المجتهد تصحيح للحديث –كما يُقال؛ وبناءً عليه فهو يجعل العرض على القرآن أساساً لنقد الرواية، وقد تبعه الأحناف في ذلك كما سيأتي من تحرير منهجهم في عنصر "تاريخ فكرة العرض".
ويرى العديد من محدّثي الحنفية المعاصرين أن حديث العرض بالرغم من وروده من طرق ضعيفة؛ فإن بعضها يُقوّي بعضًا، وأن له أصلاً، وممن ذكر ذلك منهم: محمد زاهد الكوثري (ت 1952 م) قال: "لكنَّ من أحاط بطرقِ الأحاديث في هذا الشأن، وصحة أحاديث مرسلة منها عند المحتجين بالمرسل بشرط أو بدون شرط واختلاف أهل الجرح في رجال كثير من تلك الطرق،
4
1
2
نقله: محمد بن عبد الرحمن السخاوي، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1985 م، ص 83. يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف الأنصاري قال فيه الذهبي: هو الإمام المجتهد، العلامة المحدث، قاضي القضاة، حدَّث عن: هشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، وحدَّث عنه: يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، قال عنه ابن معين: ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف، قال أحمد: كان أبو يوسف منصفا في الحديث، وعن أبي يوسف، قال: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة، وقال ابن المديني: ما أخذ على أبي يوسف إلا حديثه في الحجر، وكان صدوقا. سير أعلام النبلاء، مرجع سابق، 535/ 8 -
537
3
يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف الأنصاري، الرد على سير الأوزاعي، تح: أبو الوفا الأفغاني، ط 1، لجنة إحياء المعارف النعمانية، حيدر آباد-الهند،
دت، ص
4
25 - 24
محمد زاهد بن حسن الكوثري من أبرز علماء الأحناف في العصر الحديث تلقى علوم العربية والشريعة في وطنه تركيا، اشتغل بالتدريس في جامع الفاتح، كان محيطا بعلوم الشريعة ووسائلها، متمكنا من علوم الآلة، قال عنه محمد أبو زهرة (ت: 1974): لا أعرف عالما مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري؛ لأنه بقية السلف الصالح الذين لم يجعلوا العلم مرتزقا ولا سلّما لغاية، كان شديدا في الدفاع عن مذهب أبي
69